رحلتي من الشك إلى الإيمان … مصـطفى محـمود

مصـطفى محـمود
رحلتي من الشك إلى الإيمان ..
الطبعة الخامسة

دار المعارف

بــسم الـلـه الرحمـــن الرحـــيم

…………..الــلَّــه

كان ذلك من زمن بعيد لست أذكره .. ربما كنت أدرج من الثالثة عشرة إلى الرابعة عشرة و ربما قبل ذلك .. في مطالع المراهقة .. حينما بدأت أتساءل في تمرد :

- تقولون إن الله خلق الدنيا لأنه لا بد لكل مخلوق من خالق و لا بد لكل صنعة من صانع و لا بد لكل موجود من موجد .. صدقنا و آمنا .. فلتقولوا لي إذن من خلق الله .. أم أنه جاء بذاته .. فإذا كان قد جاء بذاته وصحّ في تصوركم أن يتم هذا الأمر .. فلماذا لا يصح في تصوركم أيضاً أن الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق و ينتهي الإشكال .

كنت أقول هذا فتصفر من حولي الوجوه و تنطلق الألسن تمطرني باللعنات و تتسابق إليّ اللكمات عن يمين و شمال .. و يستغفر لي أصحاب القلوب التقية و يطلبون لي الهدى .. و يتبرأ مني المتزمتون و يجتمع حولي المتمردون .. فنغرق معاً في جدل لا ينتهي إلا ليبدأ و لا يبدأ إلا ليسترسل .

و تغيب عني تلك الأيام الحقيقة الأولى وراء ذلك الجدل . إن زهوي بعقلي الذي بدأ يتفتح و إعجابي بموهبة الكلام و مقارعة الحجج التي انفردت بها .. كان هو الحافز دائماً .. و كان هو المشجع .. و كان هو الدافع .. و ليس البحث عن الحقيقة و لا كشف الصواب .

لقد رفضت عبادة الله لأني استغرقت في عبادة نفسي و أعجبت بومضة النور التي بدأت تومض في فكري مع انفتاح الوعي و بداية الصحوة من مهد الطفولة .

كانت هذه هي الحالة النفسية وراء المشهد الجدلي الذي يتكرر كل يوم . و غابت عني أيضاً أصول المنطق و أنا أعالج المنطق و لم أدرك أني أتناقض مع نفسي إذ كيف أعترف بالخالق ثم أقول و من خلق الخالق فأجعل منه مخلوقاً في الوقت الذي أسميه خالقاً و هي السفسطة بعينها .

ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضي أن يكون هذا السبب واجب الوجود في ذاته و ليس معتمداً و لا محتاجاً لغيره لكي يوجد . أما أن يكون السبب في حاجة إلى سبب فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية و لا يجعل منه سبباً أول .

هذه هي أبعاد القضية الفلسفية التي انتهت بأرسطو إلى القول بالسبب الأول و المحرك الأول للوجود .

و لم تكن هذه الأبعاد واضحة في ذهني في ذلك الحين .

و لم أكن قد عرفت بعد من هو أرسطو و لا ما هي القوانين الأولى للمنطق و الجدل .

و احتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق في الكتب و آلاف الليالي من الخلوة و التأمل و الحوار مع النفس و إعادة النظر قم إعادة النظر في إعادة النظر .. ثم تقليب الفكر على كل وجه لأقطع فيه الطريق الشائكة من الله و الإنسان إلى لغز الحياة إلى لغز الموت إلى ما أكتب من كلمات على درب اليقين .

لم يكن الأمر سهلاً .. لأني لم أشأ أن آخذ الأمر مأخذاً سهلاً .

و لو أني أصغيت إلى صوت الفطرة و تركت البداهة تقودني لأعفيت نفسي من عناء الجدل .. و لقادتني الفطرة إلى الله .. و لكنني جئت في زمن تعقد فيه كل شيء و ضعف صوت الفطرة حتى صار همساً و ارتفع صوت العقل حتى صار لجاجة و غروراً و اعتداداً .. و العقل معذور في إسرافه إذ يرى نفسه واقفاً على هرم هائل من المنجزات و إذ يرى نفسه مانحاً للحضارة بما فيها من صناعة و كهرباء و صواريخ و طائرات و غواصات و إذ يرى نفسه قد اقتحم البر و البحر و الجو و الماء و ما تحت الماء .. فتصور نفسه القادر على كل شيء و زج نفسه في كل شيء و أقام نفسه حاكماً على ما يعلم و ما لا يعلم .

* * *

و غرقت في مكتبة البلدية بطنطا و أنا صبي أقرأ لشبلي شميل و سلامة موسى و أتعرف على فرويد و دارون .

و شغفت بالكيمياء و الطبيعة و البيولوجيا .. و كان لي معمل صغير في غرفتي أجضر فيه غاز ثاني أكسيد الكربون و ثاني أكسيد الكبريت و أقتل الصراصير بالكلور و أشرح فيه الضفادع .

و كانت الصيحة التي غمرت العالم هي .. العلم .. العلم .. العلم .. و لا شيء غير العلم .

النظرة الموضوعية هي الطريق .

لنرفض الغيبيات و لنكف عن إطلاق البخور و ترديد الخرافات .

من يعطينا دبابات و طائرات و يأخذ منا الأديان و العبادات ؟؟ و كان ما يصلنا من أنباء العلم الغربي باهراً يخطف أبصارنا و كنا نأخذ عن الغرب كل شيء .. الكتب و الدواء و الملابس و المنسوجات و القاطرات و السيارات و حتى الأطعمة المعلبة حتى قلم الرصاص و الدبوس و الإبرة حتى نظم التعليم و قوالب التأليف الأدبي من قصة و مسرحية و رواية حتى ورق الصحف .

و حول أبطال الغرب و عبقرياته كنا ننسج أحلامنا و مثلنا العليا .. حول باستير و ماركوني و رونتجن و أديسون .. و حول نابليون و إبراهام لنكولن .. و كرستوفر كولمبس و ماجلان .

كان الغرب هو التقدم .

و كان الشرق العربي هو التخلف و الضعف و التخاذل و الإنهيار تحت أقدام الاستعمار .

و كان طبيعيّاً أن نتصور أن كل ما يأتينا من الغرب هو النور و الحق .. و هو السبيل إلى القوة و الخلاص .

و دخلت كلية الطب لأتلقى العلوم بلغة إنجليزية و أدرس التشريح في مراجع إنجليزية و أتكلم مع أستاذي في المشفى باللغة الإنجليزية .. ليس لأن إنجلترا كانت تحتل القناة لكن لسبب آخر مشروع و عادل .. هو أن علم الطب الحديث كان صناعة غربية تماماً .. و ما بدأه العرب في هذه العلوم أيام ابن سينا , كان مجرد أوليات لا تفي بحاجات العصر .

و قد التقط علماء الغرب الخيط من حيث انتهى ابن سينا و الباحثون العرب ثم استأنفوا الطريق بإمكانيات متطورة و معامل و مختبرات و ملايين الجنيهات المرصودة للبحث , فسبقوا الأولين من العرب و الفرس و العجم , و أقاموا صرح علم الطب الحديث و الفسيولوجيا و التشريح و الباثولوجيا و أصبحوا بحق مرجعاً .

و تعلمت ما تعلمت في كتب الطب .. النظرة العلمية .. و أنه لا يصح إقامة حكم بدون حيثيات من الواقع و شواهد من الحس .

و أن العلم يبدأ من المحسوس و المنظور و الملموس و أن العلم ذاته هو عملية جمع شواهد و استخراج قوانين .

و ما لا يقع تحت الحس فهو في النظرة العلمية غير موجود .

و أن الغيب لا حساب له في الحكم العلمي .

بهذا العقل العلمي المادي البحت بدأت رحلتي في عالم العقيدة و بالرغم من هذه الأرضية المادية والانطلاق من المحسوسات الذي ينكر كل ما هو غيب فإني لم أستطع أن أنفي أو أستبعد القوة الإلهية.

كان العلم يقدم صورة عن الكون بالغة الإحكام و الانضباط .. كل شيء من ورقة الشجر إلى جناح الفراشة إلى ذرة الرمل فيها تناسق و نظام و جمال الكون كله مبني وفق هندسة و قوانين دقيقة .

و كل شيء يتحرك بحساب من الذرة المتناهية في الصغر إلى الفلك العظيم إلى الشمس و كواكبها إلى المجرة الهائلة التي يقول لنا الفلك إن فيها أكثر من ألف مليون مجرة .

كل هذا الوجود اللا متناهي من أصغر إلكترون إلى أعظم جرم سماوي كنت أراه أشبه بمعزوفة متناسقة الأنغام مضبوطة التوزيع كل حركة فيها بمقدار .. أشبه بالبدن المتكامل الذي فيه روح.

كان العلم يمدني بوسيلة أتصور بها الله بطريقة مادية .

وفي هذه المرحلة تصورت أن الله هو الطاقة الباطنة في الكون التي تنظمه في منظومات جميلة من أحياء وجمادات وأراض وسماوات . هو الحركة التي كشفها العلم في الذرة وفي البروتو بلازم وفي الأفلاك ..

هو الحيوية الخالقة الباطنة في كل شيء ..أو بعبارة القديس توماس..الفعل الخالص الذي ظل يتحول في الميكروب حتى أصبح إنساناً ومازال يتحول.وسيظل يتحول إلى ما لانهاية .

والوجود كان في تصوري لا محدوداً لا نهائياً. إذ لا يمكن أن يحد الوجود إلا العدم .. والعدم معدوم.. ومن هنا يلزم منطقياً أن يكون الوجود غير محدود ولا نهائي .

ولا يصح أن نسأل..من الذي خلق الكون . إذ أن السؤال يستتبع أن الكون كان معدوماً في البداية ثم وجد .. وكيف يكون لمعدوم كيان .

إن العدم معدوم في الزمان والمكان وساقط في حساب الكلام ولا يصح القول بأنه كان .

وبهذا جعلت من الوجود حدثاً قديماً أبدياً أزلياً ممتداً في الزمان لا حدود له ولا نهاية .

وأصبح الله في هذه النظرة هو الكل ونحن تجلياته .

الله هو الوجود .. والعدم قبله معدوم .

هو الوجود المادي الممتد أزلاً وأبداً بلا بدء وبلا نهاية .

وهكذا أقمت لنفسي نظرية تكتفي بالموجود..وترى أن الله هو الوجود ..دون حاجة إلى افتراض الغيب والمغيبات..ودون حاجة إلى التماس اللامنظور .

وبذلك وقعت في أسر فكرة وحدة الوجود الهندية وفلسفة سبينوزا ..وفكرة برجسون عن الطاقة

الباطنة الخلاقة وكلها فلسفات تبدأ من الأرض..من الحواس الخمس .. ولا تعترف بالمغيبات .

ووحدة الوجود الهندية تمضي إلى أكثر من ذلك فتلغى الثنائية بين المخلوق والخالق ..فكل المخلوقات

في نظرها هي عيني الخالق.

وفي سفر اليوبانيشاد صلاة هندية قديمة تشرح هذا المعنى في أبيات رقيقة من الشعر .

إن الإله براهماً الذي يسكن قلب العالم يتحدث في همس قائلاً:

إذا ظن القاتل أنه قاتل

والمقتول أنه قتيل

فليسا يدريان ما خفي من أساليبي

حيث أكون الصدر لمن يموت

والسلاح لمن يقتل

والجناح لمن يطير

وحيث أكون لمن يشك في وجودي.

كل شيء حتى الشك نفسه .

وحيث أكون أنا الواحد

وأنا الأشياء

إنه إله يشبه النور الأبيض ..واحد.. وبسيط..ولكنه يحتوى في داخله على ألوان الطيف السبعة.

وعشت سنوات في هذا الضباب الهندي وهذه الماريجوانا الصوفية ومارست اليوجا وقرأتها في أصولها

وتلقيت تعاليمها على أيدي أساتذة هنود .وسيطرت على فكرة التناسخ مدة طويلة وظهرت روايات

لي مثل العنكبوت والخروج من التابوت.

ثم بدأت أفيق على حالة من عدم الرضا وعدم الاقتناع.

واعترفت بيني وبين نفسي أن هذه الفكرة عن الله فيها الكثير من الخلط .ومرة أخرى كان العلم هو دليلي ومنقذي ومرشدي .

عكوفي على العلم وعلى الشريحة الحية تحت الميكرسكوب قال لي شيئاً آخر.

وحدة الوجود الهندية كانت عبارة شعرية صوفية..ولكنها غير صادقة.. و الحقيقة المؤكدة التي يقولها العلم أن هناك وحدة في الخامة لا أكثر .. وحدة في النسيج و السنن الأولية و القوانين .. وحدة في المادة الأولية التي بني منها كل شيء .. فكل الحياة من نبات و حيوان و إنسان بنيت من تواليف الكربون مع الآيدروجين و الأكسجين .. و لهذا تتحول كلها إلى فحم بالاحتراق .. و كل صنوف الحياة تقوم على الخلية الواحدة و مضاعفاتها .

و مرة أخرى نتعلم من الفلك و الكيمياء و العلوم النووية أن الكربون ذاته و كذلك جميع العناصر المختلفة جاءت من طبخ عنصر واحد في باطن الأفران النجمية الهائلة هو الآيدروجين .

الآيدروجين يتحول في باطن الأفران النجمية إلى هليوم و كربون و سليكون و كوبالت و نيكل و حديد إلى آخر قائمة العناصر و ذلك بتفكيكه و إعادة تركيبه في درجات حرارة و و ضغوط هائلة .

و هذا يرد جميع صنوف الموجودات إلى خامة واحدة .. إلى فتلة واحدة حريرية غزل منها الكون في تفصيلات و تصميمات و طرز مختلفة .

و الخلاف بين صنف و صنف و بين مخلوق و مخلوق هو خلاف في العلاقات الكيفية و الكمية .. في المعادلة و الشفرة التكوينية .. لكن الخامة واحدة .. و هذا سر الشعور بالنسب و القرابة و المصاهرة و صلة الرحم بين الإنسان و الحيوان و بين الوحش و مروضه و بين الأنف التي تشم و الوهرة العاطرة و بين العين و منظر الغروب الجميل .

هذا هو سر الهارموني و الانسجام .

إن كل الوجود أفراد أسرة واحدة من أب واحد .

و هو أمر لا يستتبع أبداً أن نقول إن الله هو الوجود , و أن الخالق هو المخلوق فهذا خلط صوفيّ غير وارد .

و الأمر شبيه بحالة الناقد الذواقة الذي دخل معرضاً للرسم فاكتشف وحدة فنية بين جميع اللوحات .. و اكتشف أنها جميعاً مرسومة على الخامة نفسها .. و بذات المجموعة الواحدة من الألوان , و أكثر من هذا أن أسلوب الرسم واحد .

و النتيجة الطبيعية أن يقفز إلى ذهن الناقد أن خالق جميع هذه اللوحات واحد . و أن الرسام هو بيكاسو أو شاجال أو موديلياني .. مثلاً ..

فالوحدة بين الموجودات تعني وحدة خالقها .

و لكنها لا تعني أبداً أن هذه الموجدات هي ذاتها الخالق .

و لا يقول الناقد أبداً إن هذه الرسوم هي الرسّام .

إن وحدة الوجود الهندية شطحة صوفيّة خرافية .. و هي تبسيط وجداني لا يصادق عليه العلم و لا يرتاح إليه العقل .

و إنما تقول النظرة العلمية المتأملة لظواهر الخلق و المخلوقات , إن هناك وحدة بينها .. وحدة أسلوب ووحدة قوانين ووحدة خامات تعني جميعها أن خالقها واحد لم يشرك معه شريكاً يسمح بأسلوب غير أسلوبه .

و تقول لنا أيضاً إن هذا الخالق هو عقل كلّي شامل و محيط , يلهم مخلوقاته و يهديها في رحلة تطورها و يسلّحها بوسائل البقاء , فهو يخلق لبذور الأشجار الصحراوية أجنحةً لتستطيع أن تعبر الصحارى الجرداء بحثاً عن ماء و عن ظروف إنبات موالية .

و هو يزود بيضة البعوضة بكيسين للطفو لتطفو على الماء لحظة وضعها و لا تغرق . و ما كان من الممكن للبعوضة أن تدرك قوانين أرشميدس للطفو فتصنع لبيضها تلك الأكياس .

و إنما هو العقل الكلي الشامل المحيط الذي خلق .. هو الذي يزود كل مخلوق بأسباب حياته .. و هو خالق متعال على مخلوقاته .. يعلم ما لا تعلم و يقدر على ما لا تقدر و يرى ما لا ترى .

فهو واحد أحد قادر عالم محيط سميع بصير خبير .. و هو متعال يعطى الصفات و لا تحيط به صفات .

* * *

و الصلة دائماً معقودة بين هذا الخالق و مخلوقاته فهو أقرب إليها من دمها الذي يجري فيها .

و هو المبدع الذي عزف الإبداع هذه المعزوفة الكونية الرائعة .

و هو العادل الذي احكم قوانينها و أقامها على نواميس دقيقة لا تخطئ .

و هكذا قدم لي العلم الفكرة الإسلامية الكاملة عن الله .

* * *

أما القول بأزلية الوجود لأن العدم معدوم و الوجود موجود , فهو جدل لفظي لا يقوم إلا على اللعب بالألفاظ .

و العدم في واقع الأمر غير معدوم .

و قيام العدم في التصور و الفكر ينفي كونه معدوماً .

و العدم هو على الأكثر نفي ٌ لما نعلم و لكنه نفياً مطلقاً مساوياً للمحو المطلق . و فكرة العدم المطلق فرضية مثل فرضية الصفر الرياضي .. و لا يصح الخلط بين الافتراض و الواقع و لا يصح تحميل الواقع فرضاً نظرياً , فنقول اعتسافاً إن العدم معدوم , و نعتبر أن هذا الكلام قضية وجودية نبني عليها أحكاماً في الواقع .. هذا تناقض صريح و سفسطة جدلية ..

و بالمثل القول بأن الوجود موجود .. هنا نفس الخلط .. فالوجود تجريد ذهني و الموجود واقع حسيّ ..

و كلمة العدم و كلمة الوجود تجريدات ذهنية كالصفر , و اللانهاية لا يصح أن نخلط بينها و بين الواقع الملموس المتعيّن , و الكون الكائن المحدد أمام الحواس .

و يقرر هذا القانون أن الحرارة تنتقل من الساخن إلى البارد .. من الحرارة الأعلى إلى الحرارة الأدنى حتى يتعادل المستويان فيتوقف التبادل الحراريّ .

و لو كان الكون أزليّاً بدون ابتداء لكان التبادل الحراري قد توقف في تلك الآباد الطويلة المتاحة و بالتالي لتوقفت كل صور الحياة .. و لبردت النجوم و صارت بدرجة حرارة الصقيع و الخواء حولها و انتهى كلُّ شيء .

إن هذا القانون هو ذاته دليل على أن الكون كان له بدء .

و القيامة الصغرى التي نراها حولنا في موت في موت الحضارات و موت الأفراد و موت النجوم و موت الحيوان و النبات و تناهي اللحظات و الحقب و الدهور هي لمحة أُخرى تدلنا على القيامة الكبرى التي لا بد أن ينتهي إليها الكون .

إن العلم الحق لم يكن أبداً مناقضاً للدين بل إنه دال عليه مؤكد بمعناه .

و إنما نصف العلم هو الذي يوقع العقل في الشبهة و الشك .. و بخاصة إن كان ذلك العقل مزهوّاً بنفسه معتدّاً بعقلانيته .. و بخاصة إذا دارت المعركة في عصر يتصور فيه العقل أنه كلّ شيء .. و إذا حاصرت الإنسان شواهد حضارة ماديّة صارخة تزأر فيها الطائرات و سفن الفضاء و الأقمار الصناعيّة .. هاتفةً كلّ لحظة .

أنا المادة
أنا كل شيء

…………..الجســد

كلنا من أصل واحد ..

من خامة واحدة .

و لكن لكل منا فرديته الخاصة به .

و الفرق بين مخلوق و مخلوق ليس مجرّد فرق كمي في الذرات , و إنما هناك فرق أكبر و أعقد في العلاقات بين تلك الذرات و في كيفيات الترابط بينها .

و نعلم الآن من أمر توليف الجينات الوراثية في الخلية الأولى أن جميع الأجنة الآدمية يتم توليفها من أكثر من عشرين حرفاً كيميائياً من بروتين DNA و RNA كما تتألف جميع الكتب و المؤلفات من الحروف الأبجدية , فيكون لكل كتاب روحه و شخصيته و نوعيته كمخلوق مستقل متفرد مع أن جميع الكتب مؤلفة من الحروف نفسها .

و يبلغ هذا التفرد لدرجة أن ينفرد كل واحد ببصمة خاصة مختلفة . لا تتشابه بصمتان لاثنين و لو كانا توأمين منذ بدء الخليقة إلى الآن برغم آلاف آلاف و ملايين ملايين الملايين من الأفراد .

و نعلم الآن أن لكل جسد شفرة كيميائية خاصة به بحيث يصبح من العسير و أحياناً من المستحيل ترقيع جسدٍ بقطعةٍ من جسد آخر .. فما يلبث أن يرفض الجسد الرقعة الغريبة كما لو كانت ميكروباً أو جسماً أجنبياً أو استعماراً و هذه هي كبرى المشكلات في جراحات الترقيع و نقل الأعضاء .

و أطول مدة عاشها قلب منقول كانت عشرين شهراً و تحت مطر مستمر من حقن التخدير و الأقراص المضادة للحساسية لمنع الجسد من رفض العضو الغريب .

و معنى هذا أن الفردية و التفرد حقيقة جوهرية يشهد بها العلم .. و هي حقيقة لم التفت إليها في بداية تطوري الفكري .. و اعتقدت بأن الجوهري و الباقي هو المجتمع و ليس الفرد .. الإنسان و ليس فلاناً , و الحياة و ليس الأحياء .. الوجود لا الموجودات , الكل و ليس الآحاد .

و هذا أثر من آثار فلسفة وحدة الوجود الهندية القائلة إن الوجود هو الله و هو الباقي أما جميع الموجودات فهي MAYA و المايا هي الوهم الزائل . و كل فرد مصيره إلى فناء حقيقي لا بعث بعده , و اعتقدت بأن خلود الفرد هو بقدر ما يترك لأولاده من توجيه و تربية و علوم و معارف .

أما هو ذاته فإنه ينتهي إلى التراب إلى غير عودة .

نصيبنا من الخلود هو ما نضيفه إلى وعاء الكل .

أما شخوصنا و أفردنا فمصيرها إلى العدم .

و ما الشخصية ؟!

لم أفهم من الشخصية قي البداية أكثر من أنها ردود فعل ظرفية على مواقف مؤقتة . و بالتالي حينما تنتهي هذه الظروف و تتغيّر الأوقات لا يبقى من الشخصية شيء .. و مآلها أن تتفكك بالشيخوخة نتيجة تفكك ألياف الترابط الموجودة بالمخ و حين تفسد الأعصاب و تفنى بالموت تفنى الذات الخاصة بها .

اعتقدت أن الشخصية ليست سوى انفصال محدد لصفات معينة بتأثير تجارب حية و أفعال منعكسة عصبية .. بعضها موروث في شكل غرائز و بعضها مكتسب عن طريق الممارسة الحسية .. و هذه الممارسة تسجل في المخ و تنطبع على الذاكرة . فإذا انتهى المخ و تعفنت خلايا الذاكرة فلا محل لافتراض بقاء آخر روحاني لهذا الترابط المادي البحت .

بهذا الفهم المادي المسطح تصورت الإنسان في البداية , و كنت أقول لنفسي إن الشخصية ليست شيئاً واحداً و إنما هي سيل من الشخصيات المختلفة لا تنقطع عن الجريان .. فشخصيتي في سن العاشرة غيرها في سن العشرين غيرها في سن الثلاثين .. و في كل لحظة هناك شيء يضاف إلى نفسي و شيء ينقص منها .. فأية واحدة من هذه النفوس سوف تبعث و تعاقب ؟

و هؤلاء المصابون بانقسام الشخصية أيهما سوف يذهب إلى العالم الآخر الدكتور جيكل أم مستر هايد ؟

و نسيت بهذا التلاعب اللفظي الحقيقة الأولية البسيطة أننا حينما نطبع من الكتاب طبعة ثانية فإننا لا نطبع صفحةً أو فصلاً , و إنما نطبعه كله في أصوله ليصدر كلّه في أصوله .

و هكذا يكون بعث الروح ككل بكل فصولها و أصولها كما تنبت البذرة من ظلام الأرض حاوية لكل إمكانيات الفروع و الأوراق و الثمار .

و لكن النظرة المادية التي تميل بطبيعتها إلى التحليل و التشريح و التقطيع كانت هي الغالبة طول الوقت و لهذا كانت تغيب عني دائماً صورة الأمور في كليتها و كنت أتصور أني يمكن أن أفهم الروح إذا شرحت الجسد إذ لا فرق بين الاثنين

الروح هي البدن

و العقل هو المخ

و الشخصية هي ردود الفعل و مجموع الأفعال المنعكسة

و العاطفة في نهاية الأمر جوع جسماني .

و نقف الآن وقفة طويلة لنسأل : هل صحيح أن النفس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع و الجنس و مجموعة الاستشعارات التي يدرك بها الجسد ما يحتاجه ؟

لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفس و لا حقيقة الإنسان .. و أعود إلى صفحات كتاب لغز الموت و لغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل .

إن الإنسان ليضحي بلقمته و بيته و فراشه الدافئ في سبيل أهداف و مُثل و غايات شديدة التجريد كالعدل و الحق و الخير و الحرية .. فأين حوافز الجوع و الجنس هنا ؟ .. و المحارب المقاتل في الميدان الذي يضحي بنفسه على مدفعه في سبيل غد لم يأت بعد .. أين هو من التفسير المادي ؟ إننا أمام إثبات قاطع بأن النفس و الذات حقيقة متجاوزة و عالية على الجسد ة ليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية .

تلك الإدارة الهائلة التي تدوس على الجسد و تضحي به هي حقيقة متجاوزة عالية بطبيعتها و آمرة و مهيمنة على الجسد و ليست للجسد تبعاً و ذيلاً .

و إذا كنت أنا الجسد فكيف أتحكم في الجسد و أخضعه ؟

و إذا كنت أنا الجوع فكيف أتحكم في الجوع ؟

إن مجرد الهيمنة الداخلية على جميع عناصر الجسد و مفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي و المفارق الذي تتألف منه الذات الإنسانية .

عن طريق النفس أتحكم في الجسد .

و عن طريق العقل أتحكم في النفس .

و عن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده .

هذا التفاضل بين وجود ووجود يعلو عليه و يحكمه هو الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد و حاكمة عليه و ليست ذيلاً و تابعاً تموت بموته .

و الذي يقول إن الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير عليه أن يفسر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم .

إن جميع الوظائف الفسيولوجية قائمة و مستمرة في أثناء النوم . و جميع الأفعال المنعكسة و اللاإدارية تحدث بانتظام . فالقلب يدق و النَفَس يتردد و الغدد تفرز و الأحشاء تتلوى و الأعضاء التناسلية تهتاج و الذراع ينقبض لشكّة الدبوس .. ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة .. مجرد شجرة .. أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية . فأين الإنسان ؟

إن النوم ثم اليقظة و هو النموذج المصغر للموت ثم البعث , يكشف لنا مرة أخرى عن ذلك العنصر المتعالي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة فجأة و بلا مقدمات هتلر أو نيرون فإذا بذلك الممد كالثور الهامد يصحو ليقتل و يغزو و يسحق و يمحق و إن الفرق لهائل أكبر من أن يفسر بتغير مادي يتم في لحظات .

و الماديّون يقولون إن النفس حقيقة موضوعية و بالتالي هي مادة .

و نحن نسأل كيف تكون النفس موضوعاً ؟ و موضوع بالنسبة لمن .. ؟ موضوع بالنسبة للآخرين ؟ و كيف ؟! و الآخرون لا يرونها و لا يدركون وجودها إلا استنباطاً من ظواهر السلوك .. و هي ظواهر أغلبها كاذب .. فكل منّا يمثل على الناس بل يمثل على نفسه و سلوكه الظاهر قلما يدل عليه .

أم هي موضوع بالنسبة لصاحبها ؟

و كل منا لو اتخذ نفسه موضوعاً فإنها تبرد و تستحيل تحت مشرط التحليل إلى جثة , و تستخفي و تهرب من يديه لأنها لا يمكن أن تكون موضوعاً و لا أن توضع تحت مجهر مثل ورقة شجرة , لأن جوهرها بالدرجة الأولى في ذاتيتها , و حقيقتها أنها الوجه الآخر من الصورة فهي الذات في مقابل الجسد إلى هو موضوع .. و كلا القطبين الذات و الموضوع هما وجها الحقيقة .. فإذا عرّفنا المادة بأنها كل ما هو موضوعي فلا بد من الاعتراف بأن هناك في الوجود شيئاً آخر غير المادة هو الوجه الآخر من الحقيقة الذي هو الذات .

و تقودنا عملية الإدراك إلى إثبات أكيد بأن هناك شيئين في كل لحظة .. الشيء المدرك و النفس المدركة خارجه .

و ما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة و خارجة عن هذا المرور الزمني المستمر .

و لو كان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبداً .. و لا نصرم إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئاً و إنه لقانون معروف إن الحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها .

لا يمكن أن تدرك الحركة و أنت تتحرك معها في الفلك نفسه .. و إنما لا بد لك من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها .. و لهذا تأتي عليك لحظة و أنت في أسانسير متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته .. لا تستطيع إدراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب الأسانسير إلى الرصيف الثابت في الخارج .

و بالمثل لا يمكنك رصد الشمس و أنت فوقها و لكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض .. كما أنه لا يمكنك رصد الأرض و أنت تسكن عليها و إنما تستطيع رصدها من القمر .

و هكذا دائماً .. لا تستطيع أن تحيط بحالة إلا إذا خرجت خارجها (…….)

و أنت تدرك مرور الزمن لا بد أن تكون ذاتك المدركة خارج الزمن . و هي نتيجة مذهلة تثبت لنا الروح أو الذات المدركة كوجود مستقل متعال على الزمن و متجاوز له و خارج عنه .

فها نحن أولاء أمام حقيقة إنسانية جزء منها غارق في الزمن ينصرم مع الزمن و يكبر معه و يشيخ معه و يهرم معه ( و هو الجسد ) و جزء منها خارج عن هذا الزمن يلاحظ همن عتبة السكون و يدركه دون أن يتورط فيه و لهذا فهو لا يكبر و لا يشيخ و لا يهرم و لا ينصرم .. و يوم يسقط الجسد تراباً سوف يظل هو على حاله حيّاً حياته الخاصة غير الزمنية .. و لا نجد لهذا الجزء اسماً غير الاسم الذي أطلقته الأديان و هو الروح .

و كل منا يستطيع أن يلمس هذا الوجود الروحي بداخله .. و يدرك انه وجود مغاير في نوعيته للوجود الخارجي النابض المتغير الذي يتدفق حولنا في شلال من التغيرات .

كل منا يستطيع أن يحس بداخله حالة حضور و ديمومة و امتثال و شخوص و كينونة حاضرة دائماً و مغايرة تماماً للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه .

هذه هي الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الداخلي و التي أسميتها حالة ((حضور)) .. هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا و يضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح .. أو المطلق .. أو المجرد .

و نحن حينما ندرك الجمال و نميزه من القبح و ندرك الحق و نميزه من الباطل و ندرك العدل و نميزه من الظلم .. فنحن في كل مرة نقيس بمعيار .. بمسطرة منفصلة عن الحادث الذي نقيسه .. فنحن إذن نقيس من العتبة نفسها .. عتبة الروح .. فالوجود الروحي يمثله فينا أيضاً الضمير و يدل عليه أيضاً الإحساس بالجمال .. و تدل عليه الحاسة الخفية التي تميز الحق من الباطل و الزائف من الصحيح .. و تدل عليه الحرية الداخلية .. فالروح هي منطقة السريرة و الحرية المطلقة و الاختيار و التمييز .

و حينما نعيش حياتنا لا نضع اعتباراً للموت و نتصرف في كل لحظة دون أن نحسب حساباً للموت .. و ننظر إلى الموت كأنه اللامعقول .. فنحن في الواقع نفكر و نتصرف بهذه الأنا العميقة التي هي الروح و التي لا تعرف الموت بطبيعتها .

فالموت بالنسبة للروح التي تعيش خارج منطقة الزمن هو بالنسبة لها .. لا أكثر من تغيير ثوب .. لا أكثر من انتقال ..

أما الموت كفناء و كعدم فهو أمر لا تعرفه , فهي أبداً و دائماً كانت حالة حضور و شخوص .. إنها كانت دائماً هنا .

إنها الحضرة المستمرة التي لم و لا يطرأ عليها طارئ الزوال . و كل ما سوف يحدث لها بالموت .. أنها سوف تخلع الثوب الجسدي الترابي .. و كما تقول الصوفية تلبس الثوب البرزخي .. ثم تخلع الثوب البرزخي لتلبس الثوب الملكوتي .. ثم تخلع الثوب الملكوتي لتلبس الثوب الجبروتي .. كادحة من درجة إلى درجة ارتفاعاً إلى خالقها .. كل روح ترتفع بقدر صفائها و شفافيتها و قدرتها على التحليق .. على حين تتهابط الأرواح الكثيفة إلى ظلمات سحيقة و تنقضي عليها الآباد و هي تحاول الخلاص .

و أترك الصوفيين لمشاهداتهم حتى لا نضيع معهم في التيه , و ليس هدفي من هذه الدراسة عبور حاجز الموت لمعرفة ما وراءه , فهذا طمع في غير مطمع و رغبة في مستحيل .

و يكفي أن أقف بالقارئ ليتأمل نفسه و يكشف ذاته العميقة الحاكمة الآمرة (…..)تلك التي أسميتها الروح .. و التي استدللت عليها بأبلغ دلالة .. بشعور الحضرة التي يشعر بها كل منا في داخل نفسه .

تلك الحضرة المستمرة التي لا يطرأ عليها طارئ الزوال و لا تهب عليها رياح التغير و كأنها العين المفتوحة داخلها على الدوام .

ذلك الصحو الداخلي .

ذلك النور غير المرئي في نفوسنا و الذي نرى على ضوئه طريق الحق و نعرف طريق القبح من الجمال و الخير من الشر .

تلك العتبة إلى نرصد من فوقها حركة الزمن و ندرك مروره .. و نرى مرور الأشياء و ندرك حركتها .

تلك النقطة في داخل الدائرة .

المركز الذي تدور حوله أحداثنا الدنيوية الزمنية و هو شاخص في مكانه لا يتحرك و لا ينصرم له وجود .

الروح ..

حقيقتنا المطلقة التي هي برغم ذلك لغز .

هل الروح أبدية .. أو أن لها زمناً آخر ذا تقويم مختلف .. اليوم فيه بألف سنة ؟

و ما العلاقة بين الروح و الجسد ؟

و ما العلاقة بين العقل و المخ ؟

و ما العلاقة بين الذاكرة و التحصيل و استظهار العلوم ؟

إنه موضوع آخر له شرح يطول .

………………الــــروح

خطر لي ذات مساء أن أقوم ببحث في سراديب ذاكرتي ..فأرصد في ورقة كل ما أحفظه من أرقام ..رقم الباسبور ورقم العربة ورقم الشقة ورقم البطاقة العائلية وتليفونات من أعرف من الأصدقاء و الزملاء وتليفونات المصالح والجرائد وأرقام جدول الضرب التي أحفظها غيباً وعمليات الجمع والطرح والقسمة الأولية التي أعرفها بالبداهة وتواريخ ميلادي وميلاد أولادي وثوابت الرياضة والطبيعة مثل النسبة التقريبية وسرعة الضوء وسرعة الصوت ومجموع زوايا المثلث ودرجة غليان الماء وما تعلمته في كلية الطب عن نسبة سكر الدم وعدد الكريات الحمراء وعدد الكريات البيضاء وحجم الدم وسرعة النبض وسرعة التنفس وجرعات العقاقير ..وفي لحظات تجمعت تحت يدي عدة صفحات من مئات الأرقام ..تداعت في ذهني ولمعت كالبرق وكأني حاسب الكتروني وكان المشهد مذهلاً.

كيف أحفظ هذا الكم الهائل من الأعداد..كل عدد يبلغ طوله ستة أو سبعة أرقام ؟

وأين تختفي هذه الأرقام في تلافيف المخ ؟

وكيف يتم استدعاؤها فتلمع في الوعي كالبرق الخاطف ؟

وبأي أسلوب تصطف هذه الأرقام في أعداد متمايزة ..كل عدد له مذكرة تفسيرية ملحقة به تشرح

دلالته ومعناه ؟ وكيف تتراكم المئات والمئات من هذه الأرقام في ذاكرتنا ولا تختلط ولايطمس بعضها بعضاً؟

وغير الأرقام ..هناك الأسماء والاصطلاحات والكلمات..والأشكال والوجوه..تزدحم بها رأسنا وهناك معالم الطبيعة التي طفنا بها والأماكن التي زرناها ..وهناك الروائح ..ومع كل رائحة صورة لامرأة عرفناها أو مشهد نذكره و لواعج وأشواق وقصص وسيناريو من آلاف اللقطات ..وهناك الطعوم ..والنكهات.يأتي الطعم في الفم فيسيل اللعاب شوقاً أو يتحرك الغثيان اشمئزازاً .. ومع كل طعم .. يجري شريط يحكي عن وليمة دسمة ذات يوم أو جرعة دواء مريرة و مرض طويل ممض و أوجاع أليمة .. حتى لمسة النسيم الحريرية و رائحة أصداف الشاطئ تحفظها لنا الذاكرة فتهب علينا لفحات الهواء الرطيب مع ذكراها و كأننا نعيشها من جديد .

حتى الأصوات و الهمسات و الوشوشات و الصخب و الصراخ و الضجيج و العويل و النشيج .

و فاصل من موسيقى .

و مقطع من أغنية ..

و لطمة على وجه ..

و قرقعة عصاً على الظهر .

و حشرجة ألم ..

كل هذا تحفظه الذاكرة و تسجله في دقة شديدة و أمانة و معه بطاقة بالتاريخ و المناسبة و أسماء الأشخاص و ظروف الواقعة و محضر بالأقوال .. معجزة .. اسمها الذاكرة .

إن معنا رقيباً حقيقياً يكتب بالورقة و القلم كل دبة نمل في قلوبنا ؟

و ما نتخيل أحياناً أننا نسيناه نكتشف أننا لم ننسه و أنه موجود يظهر لنا فجأة في لحظة استرخاء أو حلم أو بعد كأس أو في عيادة طبيب نفسي و أحياناً يظهر زلة لسان أو خطأ إملائي .

لا شيء ينسى أبداً .. و لا شيء يضيع .. و الماضي مكتوب بالفعل لحظة بلحظة و دقة قلب بدقة قلب .

و السؤال الكبير بل اللغز المحير هو .. أين توجد هذه الصور .. أين هذا الأرشيف السري ؟

و هو سؤال حاول أن يجيب عليه أكثر من عالم و أكثر من فيلسوف .

الفلاسفة الماديون قالوا إن الذاكرة في المخ .. و إنها ليست أكثر من تغيرات كيميائية كهربائية تحدث لمادة المخ نتيجة الفعل العصبي للحوادث تماماً كما يحدث لشريط ريكوردر عند التسجيل و إن هذه اللفائف المسجلة تحفظ بالمخ و إنها تدور تلقائياً لحظة محاولة التذكر فتعيد ما كان في أمانة و دقة .

الذاكرة مجرد نقش و حفر على مادة الخلايا .

و مصيرها أن تبلى و تتآكل كما تبلى النقوش و تتآكل و ينتهي شأنها حينما ينتهي الإنسان بالموت و تتآكل خلاياه .

رأي مريح و سهل و لكنه أوقع أصحابه في مطلب لم يستطيعوا الخروج منه . فإذا كانت الذاكرة هي مجرد طارئ مادي يطرأ على مادة الخلايا فينبغي أن تتلف الذاكرة لأي تلف مادي مناظر في الخلايا المخية .. و ينبغي أن يكون هناك توازٍ بين الحادثين .. كل نقص في الذاكرة معينة لا بد أن يقابله تلف في الخلايا المختصة المقابلة .. و هو أمر لا يشاهد في إصابات المخ و أمراضه .. بل ما يشاهد هو العكس .

يصاب مركز الكلمات فلا تصاب ذاكرة الكلمات بأي تلف , و إنما الذي يحدث هو عاهة في النطق .. في الأداء الحركي للعضلات التي تنطق الكلمات . إن الموتور هو الذي يتلف بتلف الخلايا .. أما الذاكرة .. أما صورة الكلمات في الذهن فتظل سليمة .

و هذا دليل على أن وظيفة المخ ليست الذاكرة و لا التذكر .

و إنما المخ هو مجرد سنترال يعطي التوصيلة . هو مجرد أداة تعبّر به الكلمة عن نفسها في وسط مادي فتصبح صوتاً مسموعاً .. كما يفعل الراديو حينما يحوّل الموجة اللاسلكية إلى نبض كهربائي مسموع .. فإذا أصيب الراديو بعطل فلا يكون معنى هذا العطل أن تتعطل موجة الأثير .. و إنما فقط يحدث شلل في جهاز النطق في الراديو . أما الموجة فتظل سليمة على حالها يمكن أن يلتقطها راديو آخر سليم.

و هذا حال الذاكرة .. فهي صور و أفكار و رؤى مستقلة مسكنها و مستقرها الروح و ليس المخ و لا الجسد بحال .. و ما المخ إلا وسيلة لنقل هذه الصور لتصبح كلمات منطوقة مسموعة في عالم ماديّ .

فإذا أصيب المخ بتلف .. يصاب النطق بالتلف و لا تصاب الذاكرة لأن الذاكرة حكمها حكم الروح و لا يجري عليها ما يجري على الجسد .

التوازي مفقود بين الاثنين مما يدل على أننا أمام مستويين (جسد و روح ) لا مستوى واحد اسمه المادة .

و في حوادث النسيان المرحلي .. الذي تنسى فيه مرحلة زمنية بعينها (و هو الموضوع المحبب عن مؤلفي السينما المصريين ) .. ينسى المصاب فترة زمنية بعينها فتمحى تماماً من وعيه و تكشط من ذاكرته .

و كان يتحتم تبعاً للنظرية المادية أن نعثر على تلف مخي جزئي مقابل و مناظر للفترة المنسية .

لكن من الملاحظ أن أغلب تلك الحالات هي حالات صدمة نفسية عامة و ليست تلفاً جزئياً محدداً .

مرة أخرى نجد أن التوازي مفقود بين حجم الحادث و بين حجم التلف المادي .

و في حالات التلف المادي الشديد للمخ نتيجة الكسور أو الالتهابات أو النمو السرطاني , حينما يبدأ النسيان الكامل يلاحظ دائماً أن هذا النسيان يتخذ نظاماً خاصّاً فتنسى في البداية أسماء الأعلام و آخر ما ينسى هي الكلمات الدالة على الأفعال .

و هذا التسلسل المنتظم في النسيان في مقابل إصابة غير منتظمة و في مقابل تلف مشوش أصاب المخ كيفما اتفق , هو مرة أخرى عدم توازٍ له معنى .. فهنا إصابة في الذاكرة لا علاقة لها من حيث المدى و الكم و النظام بالإصابة المادية للمخ .

و هكذا تتحطم النظرية المادية للذاكرة على حائط مسدود .

و نجد أنفسنا أمام ظاهرة متعالية على الجسد و على خلايا المخ .

و سوف تموت و تتعفن الخلايا المخية و تظل الذاكرة شاخصة حية بتفصيلاتها و دقائقها تذكرنا في حياتنا الروحية الثانية بكل ما فعلناه .

و لم يكن الجسد إلا جهازاً تنفيذيّاً للفعل و للإفصاح عن النوايا في عالم الدنيا المادي .. كان مجرد أداة للروح و مطية لها .

لم يكن المخ غلا سنترالاً .. و كابلات توصيل .

و كل دوره هو أن يعطي التوصيلة من عالم الروح إلى عالم المادة أو كما يقول برجسون DONNER LA COMMUNICATION ……. يعطي الخط .

كابلات الأعصاب تنقل مكنون الروح و تحوله إلى نبض إلكتروني لتنطق به عضلات اللسان على الطرف الآخر .. كما يفعل الراديو بالموجة اللاسلكية و هكذا نتبادل الكلام كأجساد في عالم مادي .. فإذا ماتت أجسادنا عدنا أرواحاً .. لنتذاكر ما فعلناه في دنيانا لحظة بلحظة حيث كل حرف و كل فعل مسجل .

بل إن هناك نظريات علمية تمضي لأكثر من هذا فترى أن التحصيل هو في ذاته عملية تذكر لعلم قديم مكنوز و مسطور في الروح .. و ليس تعلماً من السبورة .. فنحن لا نكتشف أن 2 × 2 = 4 من عدم , و إنما نولد بها .. و كل ما نفعله أننا نتذكرها .. و كذلك بداهات الرياضة و الهندسة و المنطق .. كلها بداهات نولد بها مكنوزة فينا .. و كل ما يحدث أننا نتذكرها تذكرنا بها الخبرة الدنيوية كل لحظة .

و بالمثل شخصيتنا .. نولد بها مسطورة في روحنا .. و كل ما يحدث أن الواقع الدنيوي يقدم المناسبات و الملابسات و القالب المادي لتفصح هذه الشخصية عن خيرها و شرها .. فيسجل عليها فعلها .

و التسجيل هو الأمر الجديد الذي يتم في الدنيا .

الانتقال من حالة النية إلى حالة التلبس .

و هذا ما تعبر عنه الأديان بأن يحق القول على المذنب بعد الابتلاء و الاختبار في الدنيا .. فتحق عليه الضلالة و تلزمه رتبته .

و هو أمر قد سبق إليه علم الله .. علم الحصر لا علم الإلزام .. فالله لا يلزم أحداً بخطيئة و لا يقهره على شر .. و إنما كل واحد يتصرف على وفاق طبيعته الداخلية فعله هو ذاته .. و ليس في ذلك أي معنى من معاني الجبر .. لأن هذه الطبيعة الداخلية هي التي نسميها أحياناً الضمير و أحياناً السريرة و أحياناً الفؤاد و يسميها الله (( السر )) .

(( يعلم السر و أخفى )) .

و نقول عنها في تعبيراتنا الشعبية عن الموت (( طلع السر الإلهي )) أي صعدت الروح إلى بارئها ..

هذا السر المطلسم هو ابتداء حر و مبادرة أعتقها الله من كل القيود ليكون فعلها هو ذاتها و ليكون هواها دالاً عليها .

و من هنا لا يصح القول بالحتميات في المجال الإنساني أمثال حتمية الصراع الطبقي و الجبرية التاريخية لأن الإنسان مجال حر و ليس مسماراً أو ترساً في ماكينة .

و كما لا يمكن التنبؤ بما يأتي به الغد في حياة فرد فإنه يستحيل القول بالحتم أو الجبر في مجال المجتمعات و التاريخ .. و كل ما يمكن القول به هو الترجيح و الاحتمال بناء على مقدمات إحصائية .. و هو ترجيح يخطئ و يصيب و يحدث فيه تفاوت في طرفيه .. فمعدل عمر الإنسان في انجلترا مثلاً هو ستون سنة .. و هذا المعدل معدل إحصائي مأخوذ من متوسطات أرقام .. و هو غير ملزم بالنسبة للفرد , فقد يعيش فرد مثل برناردشو في انجلترا أكثر من تسعين سنة و يتجاوز المعدل . و قد يموت في سن العشرين في حادثة . و قد يموت و هو طفل بمرضٍ معدٍ .. ثم إن المعدل ذاته قابل للتذبذب من طرفيه صعوداً و هبوطاً من سنة لأخرى .. فلا يصح القول بالحتمية و الجبر في هذا الموضوع .. و لا يجوز إخضاع المجال الإنساني سواء كان فرداً أو مجتمعاً أو تاريخاً لقالب نظري أو معادلة أو حسبة إحصائية أو فرض فلسفي .

إنما تأتي فكرة الحتمية الخاطئة من التصور الخاطئ للإنسان على أنه جسد بلا نفس وبلا روح وبلا عقل ..واعتبار النفس والعقل مجرد مجموعة الوظائف العليا للجهاز العصبي.

ومن الواقع المشاهد من خضوع الجسم للقوانين الفسيولوجية يستنتج المفكر المادي أن الإنسان والإنسانية بأسرها مغلولة في القوانين المادية.

وهكذا يجعل من الإنسان كتلة مادية أشبه بكتلة القمر محكومة في دورانه حول الأرض والشمس بالحتميات الفلكية.

وينسى أن الإنسان يعيش في مستويين.

مستوى الزمن الخارجي الموضوعي المادي.. زمن الساعة..وفي هذا الزمن يرتبط بالمواعيد والضرورات الاجتماعية ويعيش في أسر القوانين والحتميات.

ومستوى زمنه الخاص الداخلي ..زمن الشعور وزمن الحلم ..وفي هذا المستوى يعيش حياة حرة بالفعل .. فيفكر و يحلم و يبتكر و يخترع و يقف من كل المجتمع و التاريخ موقف الثورة .. بل يستطيع أن ينقل هذه الثورة الداخلية إلى فعل خارجي فيقلب المجتمع و يغير التاريخ من أساسه كما حدث في كل الثورات التقدمية .

هذه الثنائية هي صفة ينفرد بها الإنسان .

وهذه الحياة الداخلية الحرة يختص بها الإنسان دون الجماد

وهذه النفس التي يملكها تتصف بصفات مختلفة مغايرة لصفت الجماد..فهنا نحن أمام وحدة لا امتداد لها في المكان..

هي الـ ((أنا)) تتصف بالحضور و الديمومة و الشخوص و الكينونة و المثول الدائم في الوعي .. ثم هي تفرض نفسها على الواقع الخارجي و تغيره .. و تفرض نفسها على الجسد و تحكمه و تقوده و تعلو على ضروراته .. فتفرض عليه الصوم و الحرمان اختياراً . بل قد تقوده إلى الموت فداء و تضحية .. مثل هذه النفس لا يمكن أن تكون مجرد ناتج ثانوي من نواتج الجسد و ذيلاً تابعاً له و مادة تطورت منه . مثل هذه النظريات المادية لا تفسر لنا شيئاً .. و إنما لا بد لنا أن نسلم (….) النفس عالية على الجسد متعالية عليه و أنها من جوهر مفارق لجوهر (….) فهي في واقع الأمر تستخدم الجسد كأداة لأغراضها و مطية لأهدافها كما يستخدم العقل المخ مجرد توصيلة أو سنترال .

و لا بد أن يتداعى إلى ذهننا الاحتمال البديهي من أن هذه النفس لا يمكن أن يجري عليها ما يجري على الجسد من موت و تآكل و تعفن بحكم جوهرها الذي تشعر به متصفاً بالحضور و الديمومة و الشخوص في الوعي طوال الوقت .. فلا تتآكل كما يتآكل الجسد و لا هي تقع كما يقع الشعر و لا هي تبلى الأسنان .

و إنه لأمر بديهي تماماً أن نتصور بقاءها بعد الموت .

فإذا نحن تأملنا ما يصاحب أفعالنا من تردد قبل اختيار القرار ثم شعور بالمسئولية في أثناء العمل ثم ندم أو راحة بعد تمامه .. فنحن نستنتج أننا أمام حالة مراقبة فطرية و فكرة ملحة بالحساب و بأن هناك خطأ و صواباً . و إننا نعلم بداهةً و بالفطرة التي ولدنا بها أن العدل و النظام هو ناموس الوجود و أن المسئولية هي القاعدة .

و يفترض لنا هذا الشعور الفطري القهري أن الظالم الذي أفلت من عقاب الأرض و القاتل الذي أفلت من محاسبة القانون البري الأرضي .. لا بد أن يعاقب و يحاسب .. لأن العالم الذي نعيش فيه يفصح عن النظام و الانضباط من أصغر ذرة إلى أكبر فلك .. و العبث غير موجود إلا في عقولنا و أحكامنا المنحرفة .

و فكرة العدل و النظام و ضرورة العدل عالم آخر يتم فيه العدل و النظام و المحاسبة .

كل هذا علم نولد به .. و حقيقة تقول بها الفطرة و البداهة .

و لا غرابة في أن يعترف مفكر غربي ألماني و هو ((عمانويل كانت)) بهذه الحقيقة في كتابه ((نقد العقل العلمي)) .

و لا غرابة في أن يصل إلى هذه النتيجة السليمة دون أن يقرأ قرآناً .

إنها الفطرة و البداهة التي تقوم عليها جميع العلوم .

و لا حاجة لأن يقرأ العقل السليم الكتاب المقدس ليكتشف أن له روحاً و أن له حياة بعد الموت و أن هناك حساباًَ .. فالفطرة السليمة تضيء لصاحبها الطريق إلى هذه الحقائق .

و هذا العلم الذي نولد به .. و هذه البداهة التي نولد بها .. تقوم شاهدة على جميع العلوم المكتسبة و ملزمة لها .. فجميع العلوم المكتسبة يجوز فيها الخطأ و الصواب .. أما العلم الذي نولد به فهو جزء من نظام الكون المحكم .. وهو الحقيقة الأولى التي نعمل على ضوئها نرى جميع الحقائق الفرعية .. و هي المعيار و المقياس .. و إذا فسد المعيار فسد كل شيء و أصبح كل شيء عبثاً في عبث و هو أمر غير صحيح .

و إذا اتهمنا بالبداهة فإن جميع العلوم و المعارف سوف ينسحب عليها الاتهام و سوف تنهدم لأنها تقوم أصلاً على البداهات .

فنحن هنا أمام أصل من أصول المعرفة و مرجع لا يجوز الشك فيه ( لأن هذا المرجع شأنه شأن الحياة ذاتها ) نحن أمام متن هو لحم المعرفة و دمها . و كما نأتي إلى الحياة مزودين بعضلات لنتحرك بها و ندافع عن أنفسنا كذلك نولد مزودين بالبداهات الأولى لنحتكم إليها في إدراك الحق من الباطل و الصواب من الخطأ .

و أعلى درجات المعرفة هي ما يأتيك من داخلك , فأنت تستطيع أن تدرك وضعك ( هل أنت واقف أو جالس أو راقد ) دون أن تنظر إلى نفسك .. يأتيك هذا الإدراك و أنت مغمض العينين .. يأتيك من داخلك .. و تقوم هذه المعرفة حجة على أية مشاهدة .

و حينما تقول .. أنا سعيد .. أنا شقيّ .. أنا أتألم .. فكلامك يقوم حجة بالغة و لا يجوز تكذيبه بحجة منطقية .. بل إن تناول هذا الأمر بالمنطق هو تنطع و لجاجة لا معنى لها .. فلا أحد أعرف بحال نفسك من نفسك ذاتها .

و بالمثل شهادة الفطرة و حكم البداهة هي حجة على أعلى مستوى .. و حينما تقول الفطرة و البداهة مؤيدة بالعلم و الفكر و التأمل .. حينما تقول بوجود الروح و النفس و بالحرية و بالمسئولية و المحاسبة , و حينما توحي بالتصرف على أساس أن في الكون نظاماً .. فنحن هنا أمام حجة على أعلى مستوى من اليقين .

و هو يقين مثل يقين العيان أو أكثر .. فالفطرة عضو مثل العين نولد به . و هو يقين أعلى من يقين العلم .. لأن الصدق العلمي هو صدق إحصائي و النظريات العلمية تستنتج من متوسطات الأرقام .. أما حكم البداهة فله صفة القطع و الإطلاق 2 × 2 = 4 هي حقيقة مطلقة صادقة صدقاً مطلقاً , لا يجوز عليها ما يجوز من نسخ و تطور و تغير في نظريات العلم لأنها مقبولة بديهية .

1 + 1 = 2 مسألة لا تقبل الشك لأنها حقيقة ألقتها إلينا الفطرة من داخلنا و أوحت بها البداهة .

و هي معرفة أولى جاءت إلينا مع شهادة الميلاد .

لو أدرك الإنسان هذا لأراح و استراح .. و لوفّر على نفسه كثيراً من الجدل و الشقشقة و السفسطة و المكابرة في مسألة الروح و الجسد و العقل و المخ و الحرية و الجبر و المسئولية و الحساب و لاكتفى بالإصغاء إلى ما تهمس به فطرته و ما يفتي به قلبه و ما تشير به بصيرته .

و ذرة من الإخلاص أفضل من قناطير من الكتب .

لنصغي إلى صوت نفوسنا و همس بصائرنا في إخلاص شديد دون محاولة تشويه ذلك الصوت البكر بحبائل المنطق و شراك الحجج .

و على من يشك في كلامي .. و على هواة الجدل و النقاش و المقارعة المنطقية أن يعودوا فيقرأوا مقالي من أوله .

………………العدل الأزلي

الذي رأى قطة تتلصص على مائدة في خلسة من أصحابها ثم تمد فمها لتلقف قطعة سمك .
الذي رأى مثل تلك القطة و نظر إلى عينيها و هي تسرق لن ينسى أبداً تلك النظرة التي ملؤها الإحساس بالذنب .

إن القطة و هي الحيوان الأعجم تشعر شعوراً مبهماً أنها ترتكب إثماً .. فإذا لحقها العقاب و نالت ضربة على رأسها فإنها تغض من بصرها و تطأطئ رأسها و كأنها تدرك إدراكاً مبهماً أنها نالت ما تستحق .

هو إحساس الفطرة الأولى الذي ركبه الخالق في بنية المخلوق .. إنه الحاسة الأخلاقية البدائية نجد أثرها حتى في الحيوان الأعجم .

و القط إذ يتبرز ثم ينثني على ما فعل و يهيل عليه التراب حتى يخفيه عن الأنظار .

ذلك الفعل الغريزي يدل على إحساس بالقبح و على المبادرة بستر هذا القبح .

ذلك الفعل هو أيضاً فطرة أخلاقية لم تكتسب بالتعلم .. و إنما بهذه الفطرة ولد كل القطط .

و بالمثل غضبة الجمل بعد تكرار الإهانة من صاحبه و بعد طول الصبر و التحمل .. و كبرياء الأسد و ترفعه عن أن يهاجم فريسته غدراً من الخلف و إنما دائماً من الأمام و مواجهة .. و لا يفترس إلا ليأكل .. و لا يفكر في أكل أو افتراس إلا إذا جاع .

كل هذه أخلاق مفطورة في الحشوة الحية و في الحيوان .

ثم الوفاء الزوجي عند الحمام .

و الولاء للجماعة في الحيوانات التي تتحرك في قطعان .

نحن أمام الأسس الأولى للضمير .. نكتشفها تحت الجلد و في الدم لم يعلمها معلم و إنما هي في الخلقة.

و نحن إذ نتردد قبل الفعل نتيجة إحساس فطري بالمسئولية .. ثم نشعر بالعبء في أثناء الفعل نتيجة تحري الصواب .. و نشعر بالندم بعد الفعل نتيجة الخطأ .

هذه المشاعر الفطرية التي يشترك فيها المثقف و البدائي و الطفل هي دليل على شعور باطن بالقانون و النظام و أن هناك محاسبة .. و أن هناك عدالة .. و أن كل واحد فينا مطالب بالعدالة كما أن له الحق في أن يطلبها .. و أن هذا شعور مفطور فينا منذ الميلاد جاءنا من الخالق الذي خلقنا و من طبيعتنا ذاتها .

فإذا نظرنا إلى العالم المادي من الذرات المتناهية في الصغر إلى المجرات المتناهية في العظم وجدنا كل شيء يجري بقوانين و بحساب و انضباط .

حتى الإلكترون لا ينتقل من مدار إلى مدار في فلك النواة إلا إذا أعطى أو أخذ حزماً من الطاقة تساوي مقادير انتقاله و كأنه راكب في قطار لا يستطيع أن يستقل القطار إلا إذا دفع ثمن التذكرة .

و ميلاد النجوم و موتها له قوانين و أسباب.

و حركة الكواكب في دولاب الجاذبية لها معادلة .

و تحول المادة إلى طاقة و تحول جسم الشمس إلى نور له معادلة .

و انتقال النور له سرعة .

و كل موجة لها طول و لها ذبذبة و لها سرعة .

كما أن كل معدن له طيف و له خطوط امتصاص مميزة يعرف بها في جهاز المطياف .

و كل معدن يتمدد بمقدار و يتقلص بمقدار بالحرارة و البرودة .. و كل معدن له كتلة و كثافة و وزن ذري جزيئي و ثوابت و خواص .

و أينشتين أثبت لنا أن هناك علاقة بين كتلة الجسم و سرعته .. و بين الزمن و نظام الحركة داخل مجموعة متحركة .. و بين الزمان و المكان .

و الذي يفرق المواد إلى جوامد و سوائل و غازات هو معدل السرعة بين جزيئاتها .

و لأن الحرارة تجعل من هذه السرعة فإنها تستطيع أن تصهر الجوامد و تحوّلها إلى سوائل ثم تبخر السوائل و تحوّلها إلى غازات .

كما أن الكهرباء تتولّد بقوانين .. كما يتحرك التيار الكهربائي و يفعل و يؤثر على أساس من فرق الجهد و الشدة .

كما تتوقف جاذبية كل نجم على مقدار جرمه و كتلته .

و الزلازل التي تبدو أنواعاً من الفوضى لها هي الأخرى نظام و أحزمة و خطوط تحدث فيها و يمكن رسم و تتبع الأحزمة الزلزالية بطول الكرة الأرضية و عرضها .

و الكون كلّه جدول من القوانين المنضبطة الصريحة التي لا غش فيها و لا خداع .

سوف يرتفع صوت ليقول : و ما رأيك فيما نحن فيه من الغش و الخداع و الحروب و المظالم و قتل بعضنا البعض بغياً و عدواناً .. أين النظام هنا ؟ و سوف أقول له : هذا شيء آخر .. فإن ما يحدث بيننا نحن دولة بني آدم يحدث لأن الله أخلفنا في الأرض و أقامنا ملوكاً نحكم و أعطانا الحرية .. و عرض علينا الأمانة فقبلناها .

و كان معنى إعطائنا الحرية أن تصبح لنا إمكانية الخطأ و الصواب .

و كان كل ما نرى حولنا في دنيانا البشرية هو نتيجة هذه الحرية التي أسأنا استعمالها .

إن الفوضى هي فعلنا نحن و هي النتيجة المترتبة على حريتنا .

أما العالم فهو بالغ الذروة في الانضباط و النظام .

و لو شاء الله لأخضعنا نحن أيضاً للنظام قهراً كما أخضع الجبال و البحار و النجوم و الفضاء .. و لكنه شاء أن يفنى عنا القهر لتكتمل بذلك عدالته .. و ليكون لكل منا فعله الخاص الحر الذي هو من جنس دخيلته .

أراد بذلك عدلاً ليكون بعثنا بعد ذلك على مقامات و درجات هو إحقاق الحق و وضع كل شيء في نصابه .

و الحياة مستمرة .

و ليس ما نحياه من الحياة في دنيانا هو كل الحياة .

و معنى هذا أن الفترة الاعتراضية من المظالم و الفوضى هي فترة لها حكمتها و أسبابها و أنها عين العدالة من حيث هي امتحان لما يلي من حياة مستمرة أبداً .

إن دنيانا هي فترة موضوعة بين قوسين بالنسبة لما بعدها و ما قبلها , و هي ليست كل الحقيقة و لا كل القصة .. و إنما هي فصل صغير من رواية سوف تتعدد فصولاً .

و قد أدرك الإنسان حقيقة البعث بالفطرة .

أدركها الإنسان البدائي .

و قال بها الأنبياء أخباراً عن الغيب .

و قال بها العقل و العلم الذي أدرك أن الإنسان جسد و روح كما ذكرنا في فصول سابقة .. و إن الإنسان يستشعر بروحه من إحساسه الداخلي العميق المستمر بالحضور برغم شلال التغيرات الزمنية من حوله . و هو إحساس ينبّئ بأنه يملك وجوداً داخلياً متعالياً على التغيرات متجاوزاً للزمن و الفناء و الموت .

و فلاسفة مثل عمانويل كانت و بروجسون و كير كجارد , لهم وزنهم في الفكر قالوا بحقيقة الروح و البعث .

و في كتاب جمهورية أفلاطون .. فصل رائع عن خلود الروح .

هي حقيقة كانت تفرض نفسها إذن على أكبر العقول و على أصغر العقول و كانت تقوم كبداهة يصعب إنكارها .

و لكن أهم برهان على البعث في نظري هو ذلك الإحساس الباطني العميق الفطري الذي نولد به جميعاً و نتصرف على أساسه . إن هناك نظاماًَ محكماً و قانوناً عادلاً .

و نحن نطالب أنفسنا و نطالب غيرنا فطريّاً و غريزيّاً بهذا العدل .

و تحترق صدورنا إذا لم يتحقق العدل .

و نحارب لنرسي دعائم ذلك العدل .

و هذا يعني أنه سوف يتحقق بصورة ما لا شك فيها .. لأنه حقيقة مطلقة فرضت نفسها على عقولنا و ضمائرنا طول الوقت .

و إذا كنا نرى ذلك العدل يتحقق في دنيانا فلأننا لا نرى كل الصورة و لأن دنيانا الظاهرة ليست هي كل الحقيقة .

وإلا فلماذا تحترق صدورنا لرؤية الظلم ولماذا نطالب غيرنا دائماً بأن يكون عادلاً .. لماذا نحرص كل الحرص ونشتغل غضباً على ما لا وجود له .

يقول لنا المفكر الهندي وحيد الدين خان :إذا كان الظمأ إلى الماء يدل على وجود الماء فكذلك الظمأ إلى العدل لا بد أنه يدل على وجود العدل ..

ولأنه لا عدل في الدنيا .. فهو دليل على وجود الآخرة مستقر العدل الحقيقي .

إن شعورنا الداخلي الفطري هو الدليل القطعي على أن العدل حق ..

وإن كنا لا نراه اليوم .. فإننا سوف نراه غداً .. هذا توكيد يأتينا دائماً من داخلنا ..وهو الصدق لأنه وحي البداهة .

والبداهة والفطرة جزء من الطبيعة المحكمة الخالية من الغش وهي قانون من ضمن القوانين العديدة التي ينضبط بها الوجود .

سوف يرتفع صوت ليقول : لندع عالم الآدميين ونسأل: لماذا خلق الله الخنزير خنزيراً والكلب كلباً ..و الحشرة حشرةً ..ما ذنب هذه المخلوقات لتخلق على تلك الصور المنحطة ..و أين العدل هنا؟

وإذا كان الله سوف يبعث كل ذي روح فلماذا لا يبعث القرد و الكلب والخنزير ؟

والسؤال وجيه ولكن يلقيه عقل لا يعرف إلا نصف القضية .. أو سطراً واحداً من ملف التحقيق .. ومع ذلك يتعجل معرفة الحكم و حيثياته .

و الواقع أن كل الكائنات الحيوانية نفوس .

و الله قد اختار لكل نفس القالب المادي الذي تستحقه .

و الله قد خلق الخنزير خنزيراً لأنه خنزير .

اختار للنفس الخنزيرية قالباً ماديّاً خنزيريّاً …

و نحن لا نعلم شيئاً عن تلك النفس الخنزيريّة قبل أن يودعها الله في قالبها الخنزيري .. و لا نعلم لماذا و كيف كان الميلاد على تلك الصورة .

وما قبل الميلاد محجوب .

كما أن ما بعد الموت محجوب .

ولكن أهل المشاهدة يقولون كما يقول القرآن إننا كنا قبل الميلاد في عالم (يسمونه عالم الذر )ونكون

بعد الموت في عالم آخر .. والحياة أبدية ولا موت وإنما انتقال وارتقاء في معراج لا ينتهي . صعوداً وتطوراً وتسامياً وكدحاً إلى الله .

وهذا الاستمرار يقول به العقل أيضاً .

والعدل و هو الحقيقة الأزلية التي وقرها الله في الفطرة وفي الحشوة الآدمية .. وحتى الحشوة الحيوانية كما قدمت في بداية مقالي .

هذا العدل حقيقة مطلقة سوف تقول لنا إن جميع القوالب المادية والحيوانية هي استحقاقات مؤكدة لا ندري شيئاً عن تفاصيلها ولا كيف كانت ولكننا نستطيع أن نقول بداهة إنها استحقاقات .. و إن الله خلق الخنزير خنزيراً لأن نفسه كانت نفساً خنزيرية فكان هذا ثوبها و قالبها الملائم .

أما بعث الحيوانات فالقرآن يقول به .

((وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ))

(الأنعام 38)

هي أمم من الأنفس يقول لنا القرآن إنها تحشر كما نحشر .. أما ما يجري عليها بعد ذلك و أين تكون و ما مصيرها .. فهو غيب .. و تطلع إلى محجوبات و فضول لن نجد له جواباً شافياً .

و العلم بكل شيء في داخل اللحظة المحدودة و في عمرنا الدنيوي هو طمع في مستحيل .

و لكن إذا كان نصيبنا من العلم و إذا كان ما غنمناه بالتأمل هو أن العدل حقيقة أزلية و أن الله وقرها و أودعها في الفطرة فقد علمناه الكثير و أدركنا كفايتنا .

و بالصورة التي أدركنا بها الله في مقالنا الأول على أنه العقل الكلي المحيط و أنه القادر المبدع الملهم المعتني بمخلوقاته , بهذه الصورة سوف نفهم كيف أودع الله هذه الفطرة الهادية المرشدة في مخلوقاته , فهذا مقتضى عنايته و عدله .. أن يخلق مخلوقاته و بخلق لها النور الذي تهتدي به . وسوف نصدق أيضاً أن الله أرسل الأنبياء وأوحى بالكتب … فإن الله لا يكون ربّاً و لا إلهاً ملهماً مدبراً بغير ذلك .

و سوف يكون دليلنا على صدق الكتب السماوية هو ما تأتينا به من علم و غيب و حكمة و تشريع و حق مما لا يأتي لجهد فردي أن يهتدي إليه بالمحاولة الشخصية .

إن الله الخالق العادل الملهم الذي خلق مخلوقاته و ألهمها الطريق .. (و هو لباب الأديان كلها) .. هو مبدأ أولي يصل إليه العقل دون إجهاد . و توحي به الفطرة بداهة .

و إنما الافتعال كل الافتعال .. هو القول بغير ذلك .

و الإنكار يحتاج إلى الجهد كل الجهد و إلى الالتفاف و الدوران و اللجاجة و الجدل العقيم ثم نهايته إلى التهافت .. لأنه لا يقوم على أساس .. و لأنه يدخل في باب المكابرة و العناد أكثر مما يدخل في باب التأمل المحايد النزيه و الفطرة السوية .

و هذا ما قالته لي رحلتي الفكرية الطويلة .. من بدايتها المزهوة في كتاب ((الله و الإنسان)) إلى وقفتها الخاشعة على أبواب القرآن و التوراة و الإنجيل .

و ليس متديناً في نظري من تعصب و تحزب و تصور نبيه هو النبي الوحيد و إن الله لم يأت بغيره .. فإن هذا التصور لله هو تصور طفولي متخلف يظن أن اله أشبه بشيخ القبيلة .. و مثل هذا الإحساس هو عنصرية و ليس تديناً .

و إنما التصور الحق لله .. أنه الكريم الذي يعطي الكل و يرسل الرسل للكل .

( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ )

(فاطر 24)

( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً )

(النحل 36)

( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً )

(القصص 59)

( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )

(النساء 164)

و معنى هذه الآية أن بوذا يمكن أن يكون رسولاً في عصره و إن لم يرد ذكره في القرآن .

و إخناتون يمكن أن يكون رسولاً في زمانه .. و يمكن أن يكون ما وصلنا من تعاليمهم قد خضع للتحريف ..

و الله يريد بهذا الوحي أن يوحي بالإيمان المنفتح الذي يحتضن كل الرسالات و كل الأنبياء و كل الكتب بلا تصب و لا تحيز .

و لهذا يأمرنا بالإسلام ديناً لأنه الدين الوحيد الذي يعترف بكل الرسالات و بكل الأنبياء و بكل الكتب و يختمها حكمة و تشريعاً , و يردها إلى نبعها و أصلها .. الإله الواحد الرحيم الملهم .. الذي أرسل الهداة جميعاً من آدم إلى الخاتم .

و أصدق مثل للوعي الديني المنفتح هو وعي رجل مثل غاندي .. هندوسي و مع ذلك يقرأ في صلاته فقرات من القرآن و التوراة و الإنجيل و كتاب (( الدامابادا )) لبوذا .. في خضوع و محبة .. مؤمناً بكل الكتب و كل الرسل .. و بالخالق الواحد الذي أرسلها .

و هو رجل في حياته مثل كلامه . أنفقها في الحب و السلام .

و الدين واجد من الناحية العقادية و إن اختلفت الشرائع في الأديان المتعددة .

كما أن الرب واحد .

و الفضلاء من جميع الأديان هم على دين واحد .

لأن المتدين الفاضل لا يتصور الله خالقاً له وحده و هادياً له وحده أو لفئة وحدها .. و إنما هو نور السموات و الأرض .. المتاح لكل من يجهد باحثاً عنه .. الرحمن الرحيم المرسل للهداة المنزل للوحي في جميع الأعصر و الدهور .. و هذا مقتضى عدله الأزلي .. و هذا هو المعنى الجدير بالمقام الإلهي .. و بدون هذا الإيمان المنفتح لا يكون المتدين متديناً .

أما الأديان التي تنقسم شيعاً يحارب بعضها بعضاً باسم الدين , فإنها ترفع راية الدين كذباً .. و ما الراية المرفوعة إلا راية العنصر و العرق و الجنس .. و هي مازالت في جاهلية الأوس و الخزرج و حماسيات عنترة .. تحارب للغرور .. و إن ظنت أنها تحارب لله .. و هي هالكة , الغالب فيها و المغلوب . مشركة .. كل منها عابد لتمثاله و لنفسه و لتصوره الشخصي و ليس عابداً لله و إنما تبدأ عبادة الله بمعرفة الله و مقامه الأسمى .

و تبدأ معرفة الله بمعرفة النفس و مكانها الأدنى .

و هذا هو الطريق .. و الصراط .. و المعراج الذي يبدأ منه عروج (…) في هجرتهم الكبرى إلى الحق.

………………لماذا العذاب ؟

المثقفون لهم اعتراض تقليدي على مسألة البعث و العقاب , فهم يقولون : كيف يعذبنا الله و الله محبة ؟ و ينسى الواحد منهم أنه قد يحب ابنه كل الحب و مع ذلك يعاقبه بالضرب و الحرمان من المصروف و التأديب و التعنيف .. و كلما ازداد حبه لابنه كلما ازداد اهتمامه بتأديبه .. و لو أنه تهاون في تربيته لاتّهمه الناس في حبه لابنه و لقالوا عنه إنه أب مهمل لا يرعى أبناءه الرعاية الكافية .. فما بال الرب و هو المربي الأعظم .. و كلمة الرب مشتقة من التربية .

و الواقع أن عبارة ((الله محبة)) عبارة فضفاضة يسيء الكثيرون فهمها و يحملونها معنى مطلقاً .. و يتصورون أن الله محبة على الإطلاق .. و هذا غير صحيح .

فهل الله يحب الظلم مثلاً ؟

مستحيل ..

مستحيل أن يحب الله الظلم و الظالمين .. و أن يستوي في نظره ظالم و مظلوم .. و هذا التصور للقوة الإلهية .. هو فوضى فكرية ..

ويلزم فعلاً أن يكون لله العلو المطلق على كل الظالمين , و أن يكون جباراً مطلقاً يملك الجبروت على كل الجبارين .. و أن يكون متكبراً على المتكبرين مذلاً للمذلين قوياً على جميع الأقوياء .. و أن يكون الحكم العدل الذي يضع كل إنسان في رتبته و مقامه .

و بمقتضى ما نرى حولنا من انضباط القوانين في المادة و الفضاء و السماوات يكون استنتاجنا للعدل الإلهي استنتاجاً سليماً يعطي الصفة لموصوفها ..

و كل البينات تحت أيدينا تقوم لتؤكد صفة العدل الإلهي و النظام و الحكمة و التدبير .

و الذين ينكرون النظام و العدل هم الذين يحتاجون إلى إقامة البرهان و إلى تقديم الدليل على إنكارهم .. و ليس الذين يؤمنون بالنظام .

أما الذين ينكرون العذاب على إطلاقه و ينكرون أن الإنسان مربوب تعلو عليه قوة أعلى نته و قوانين أعلى منه ندعوهم إلى نظرة في أحوال عالمهم الأرضي .. نظرة في الدنيا دون حاجة إلى افتراض آخره .

و لا أحد لم يجرب ألم الضرس الذي يخرق الدماغ و يشق الرأس كالمنشار . و المغص الكلوي و الصداع الشقي و ألم الغضروف و سل العظام و هي ألوان من الجحيم يعرفها من ألقى به سوء حظه إلى تجربتها .

و زيارة لعنبر المحروقين في القصر العيني سوف تقنع المشاهد بأن هناك فارقاً كبيراً بين رجل محروق مشوه يصرخ في الضمادات , و بين حال رجل يرشف فنجان شاي في استرخاء و لذة على شاطئ النيل و إلى جواره حسناء تلاطفه .

إن العذاب حقيقة ملموسة .

و الإنسان مربوب بقوة أعلى منه و هو عديم الحيلة في قبضة تلك القوة . و يستوي الأمر أن يسمي المؤمن هذه القوة .. ((الله)) و أن يسميها الملحد ((الطبيعة)) أو ((القوانين الطبيعية)) أو ((قانون القوانين)) فما هذه إلا سفسطة لفظية .. المهم أنه لم يجد بدّاً من الاعتراف بأن هناك قوة تعلو على الإنسان و على الحوادث .. و أن هذه القوة تعذب و تنكل .

و أصحاب المشاعر الرقيقة الذين يتأففون من تصور الله جباراً معذباً علينا أن نذكرهم بما كان يفعله الخليفة التركي حينما يصدر حكم الإعدام بالخازوق على أعدائه .. و ما كان يفعله الجلاد المنوط به تنفيذ الحكم حينما كان يلقى بالضحية على بطنه ثم يدخل في الشرج خازوقاً ذا رأس حديدية مدببة يظل يدق ببطء حتى تتهتك جميع الأحشاء و يخرج الخازوق من الرقبة .. و كيف أنه كان من واجب الجلاد أن يحتفظ بضحيته حيّاً حتى يخرج الخازوق من رقبته ليشعر بجميع الآلام الضرورية .

و أفظع من ذلك أن تفقأ عيون الأسرى بالأسياخ المحمية في النار .

مثل هؤلاء الجبارين هل من المفروض أن يقدم لهم الله حفلة شاي لأن الله محبة ؟

بل إن جهنم هي منتهى المحبة ما دامت لا توجد وسيلة غيرها لتعريف هؤلاء بأن هناك إلهاً عادلاً .

و هي رحمة من حيث كونها تعريفاً و تعليماً لمن رفض أن يتعلم من جميع الكتب و الرسل , و للذين كذبوا حتى أوليات العقل و بداهات الإنسانية .

أيكون عدلاً أن يقتل هتلر عشرين مليوناً في حرب عالمية .. يسلخ فيها عماله الأسرى و يعدمون الألوف منهم في غرف الغاز و يحرقونهم في المحارق .. ثم عند الهزيمة ينتحر هتلر هارباً و فارّاً من مواجهة نتيجة أعماله .

إن العبث وحده و أن يكون العالم عبثاً في عبث هو الذي يمكن أن ينجي هذا القاتل الشامل من ذنبه .

و لا شيء حولنا في هذا العالم المنضبط الجميل يدل على العبث .. و كل شيء من أكبر النجوم إلى أدق الذرات ينطق بالنظام و الضبط و الإحكام . و لا يكون الله محبة .. و لا يكون عادلاً .. إلا إذا وضع هذا الرجل في هاوية أعماله .

عن العاقل الفطن المتأمل لن يحتاج إلى فلسفة ليدرك حقيقة العذاب فإنه سوف يكتشف نذر هذا العذاب في نفسه داخل ضميره .. و في عيون المذنبين و نظرات القتلة .. و في دموع المظلومين و آلام المكلومين و في ذل الأسرى و جبروت المنتصرين و في حشرجة المحتضرين .

و هو سوف يدرك العذاب و الحساب حينما يحتويه الندم .

و الندم هو صوت الفطرة لحظة الخطأ .

و هو القيامة الصغرى و الجحيم الأصغر و هو نموذج من الدينونة .

و هو إشارة الخطر التي تضيء في داخل النفس لتدل على أن هناك ميزاناً للأعمال .. و أن هناك حقّاً و باطلاً .. و من كان على الحق فهو على صراط و قلبه مطمئن .. و من كان على باطل فهو في هاوية الندم و قلبه كليم .

و عذاب الدنيا دائماً نوع من التقويم .. و كذلك على مستوى الفرد و على مستوى الأمم .. فهزيمة 67 في سيناء كانت درساً , كما أن رسوب الطالب يكون درساً – كما أن آلام المرض و اعتلال الصحة هي لمن عاش , حياة الإسراف و الترف و الرخاوة و المتعة درس .

و العذاب يجلو صدأ النفس و يصقل معدنها .

و لا نعرف نبيّاً أو مصلحاً أو فناناً أو عبقريّاً إل و قد ذاق أشد العذاب مرضاً أو فقراً أو اضطهاداً .

و العذاب من هذه الزاوية محبة .. و هو الضريبة التي يلزم دفعها للانتقال إلى درجة أعلى .

و إذا خفيت عنا الحكمة في العذاب أحياناً فلأننا لا ندرك كل شيء و لا نعرف كل شيء من القصة إلا تلك الرحلة المحدودة بين قوسين التي اسمها الدنيا .. أما ما قبل ذلك و ما بعد ذلك فهو بالنسبة لنا غيب محجوب , و لذا يجب أن نصمت في احترام و لا نطلق الأحكام .

أما كيفيات لعذاب بعد البعث فلا يمكن القطع فيها تفصيلاً لأن الآخرة كلها غيب .. و يمكن أن يكون ما ورد في الكتب المقدسة بهذا الشأن رموزاً و إشارات .. كما نقول للصبي الذي لم يدرك البلوغ حينما يسألنا عن اللذة الجنسية إنها مثل السكر أو العسل لأننا لا نجد في قاموس خبراته شيئاً غير ذلك .. ولأن تلك اللذة بالنسبة له غيب لا يمكن وصفه بكلمات من محصوله اللغوي فهي خبرة لم يجربها إطلاقاً , و بالمثل الجنة و الجحيم هي خبرات بالنسبة لنا غيب و لا يمكن وصفها بكلمات من قاموسنا الدنيوي .. و كل ما يمكن هو إيراد أوصاف على سبيل التقريب مثل النار أو الحدائق الغناء التي تجري من تحتها الأنهار .. أما ما سوف يحدث فهو شيء يفوق بكثير كل هذه الأوصاف التقريبية مما لم تره عين و لم يخطر على قلب بشر .

و يمكن أن يقال دون خطأ إن جهنم هي المقام الأسفل بكل ما يستتبع ذلك المقام من عذاب حسي و معنوي .. و أن الجنة هي المقام الأعلى بكل ما يستتبع ذلك المقام من نعيم حسي و معنوي .

و الصوفية يقولون إن جهنم هي مقام البعد (البعد عن الله) و الحجب عن الله .. والجنة هي مقام القرب بكل ما يتبع ذلك القرب من سعادة لا يمكن وصفها .

((و مَنْ كانَ في هَذِهِ أعمَْى فَهوَ في الآخرة أعْمى و أضَلُّ سبيلاً)) . و العمى هنا هو عمى البصيرة .

إنها إذن أشبه بما نرى من درجات و مقامات و تفاوت بين أعمى و بصير . و مهتد و ضال . و لكن في الآخرة سوف يكون التفاوت عظيماً .

((انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً))

(الإسراء – 21)

لدرجة أن من سيكون في المقام الأسفل سيكون حاله حال من في النار و أسوأ .. إنه قانون التفاضل الذي يحكم الوجود كله دنيا و آخره ملكاً و ملكوتاً غيباً و شهوداً .

لكل واحد رتبة و استحقاق و مقام و درجة .. و لا يستوي اثنان .

و لا يكون الانتقال من درجة إلى درجة إلا مقابل جهد و عمل و اختبار و ابتلاء .. و من كان في الدنيا في أحط الدرجات من عمى البصيرة فسيكون حاله في الآخرة في أحط الدرجات أيضاً .

و هذا عين العدل .. أن يوضع كل إنسان في مكانه و درجته و استحقاقه .. و هذا ما يحدث في الدنيا ظلماً و هو ما سوف يحدث في الآخرة عدلاً .

و العذاب بهذا المعنى عدل .

و الثواب عدل .

و كلاهما من مقتضيات الضرورة .

أن يكون الحديد الصلب غاية في الصلابة فيصنع منه الموتور .

و يكون الكاوتشوك رخواً فتصنع منه العجلات .

و يكون القش رخيصاً فتصنع منه رأس المكنسة .

و يكون القش رخيصاً فتصنع منه رأس المكنسة .

و أن يكون القطن الفاخر لصناعة الوسائد .. و القطن الرديء لتسليك البالوعات .

و هذه بداهات و أوليات تقول بها الفطرة و المنطق السوي و لا تحتاج إلى تدبيج مقالات في الفلسفة و لا إلى رص حيثيات و مسببات .

و لهذا كانت الأديان كلها مقولة فطرية .. لا تحتمل الجدل و لا تحتمل التكذيب .. و لهذا كانت حقيقة مطلقة تقبلها العقول السوية التي لم تفسدها لفلفات الفلسفة و السفسطة .. و التي احتفظت ببكارتها و نقاوتها و برئت من داء العناد و المكابرة .

و لهذا يقول الصوفي إن الله لا يحتاج إلى دليل بل إن الله هو الدليل الذي يستدل به على كل شيء .

هو الثابت الذي نعرف به المتغيرات .

و هو الجوهر الذي ندرك به اختلاف الظواهر .

و هو البرهان الذي ندرك به حكمة العالم الزائل .

أما العقل الذي يطلب برهاناً على وجود الله فهو عقل فقد التعقل .

فالنور يكشف لنا الأشياء و يدلنا عليها .

و لا يمكن أن تكون الأشياء هي دليلنا على النور و إلا نكون قد قلبنا الأوضاع .. كمن يسير في ضوء النهار ثم يقول .. أين دليلك على أن الدنيا نهار .. أثبت لي بالبرهان .

و من فقد سلامة الفطرة و بكارة القلب .. و لم يبق له إلا الجدل و تلافيف المنطق و علوم الكلام .. فقد فقدَ كل شيء و سوف يطول به المطاف .. و لن يصل أبداً .

و مثل الذي يحتج على العذاب الدنيوي و يتبرم و يتسخط و يلعن الحياة و يقول إنها حياة لا تحتمل و إنه يرفضها و إن أحداً لم يأخذ رأيه قبل أن يولد و إنه خلق قهراً و حكم عليه بالعذاب جبراً و إن هذا ظلم فادح .

مثل هذا الرفض الساخط مثل الفنان الذي يؤدي دوراً في مسرحية .. و يقتضي الدور أن يتلقى الضرب و الركل كل يوم أما المتفرجين .

لو أن هذا الممثل فقد الذاكرة و لم ير شريط حياته إلا أمام هذا الدور الذي يؤديه بين قوسين على خشبة المسرح كل يوم .. فإنه سوف يحتج .. رافضاً أن يتلقى العذاب .. و يقول إن أحداً لم يأخذ رأيه و إنه خلق قهراً و حكم عليه بالعذاب جبراً و قضى عليه بالإهانة أمام الناس بدون مبرر معقول و بدون اختيار منه منذ البداية .

و سوف ينسى هذا الممثل أنه كان هناك اتفاق قبل بدء الرواية .. و كان هناك تكليف من المخرج ثم قبول للتكليف من جانب الممثل .. ثم عهد و ميثاق على تنفيذ المطلوب .. كل هذا تم في حرية قبل أن يبدأ العرض .. و ارتضى الممثل دوره اختياراً .. بل إنه أحب دوره و سعى إليه .

و لكن الممثل قد نسي تماماً هذه الحقبة الزمنية قبل الوقوف على خشبة المسرح .. و من هنا تحولت حياته بما فيها من تكاليف و آلام على علامة استفهام و لغز غير مفهوم .

و هذا شأن الإنسان الذي تصور أن كل حياته هي وجوده بالجسد في هذه اللحظات الدنيوية و أنه هالك و مصيره التراب . و أنه ليس له وجود غير هذا الوجود الثلاثي الأبعاد على خشبة الحياة الدنيا.

نسي هذا الإنسان انه كان روحاً في الملكوت و انه جاء على الدنيا بتكليف و أنه قبل هذا التكليف و ارتضاه .. و أنه كانت بينه و بين خالقه (المخرج الأعظم لدراما الوجود) عهود و مواثيق .. و أنه بعد دراما الوجود الدنيوي يكون البعث و الحساب كما أنه بعد المسرحية يكون النقد من النقاد و النجاح و الفشل من الجمهور و السقوط في عين النظارة أو الارتفاع في نظرهم .

إنه النسيان و الغفلة .

و النظرة الضيقة المحدودة التي تتصور أن الدنيا كل شيء .. هي التي تؤدي على ضلال الفكر .. و هي التي تؤدي إلى الحيرة أمام العذاب و الشر و الألم …

و من هنا جاءت تسمية القرآن بأنه .. ذكر .. و تذكير .. و تذكرة .. ليتذكر أولو الألباب .

و النبي هو مذكر .

((فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ , لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ))

(الغاشية 21 – 22)

الدنيا كلها ليست كل القصة .

إنها فصل في الرواية .. كان لها بدء قبل الميلاد و سيكون لها استمرار بعد الموت .

و في داخل هذه الرؤية الشاملة يصبح للعذاب معنى …

يصبح عذاب الدنيا رحمة من الرحيم الذي ينبهنا به حتى لا نغفل .. إنه محاولة إيقاظ لتتوتر الحواس و يتساءل العقل .. و هو تذكير دائم بأن الدنيا لن تكون و لا يمكن أن تكون جنة .. و إنها مجرد مرحلة .. و عن الإخلاد إلى ذاتها يؤدي بصاحبه إلى غفلة مهلكة .

إنه العقاب الذي ظاهره العذاب و باطنه الرحمة .

و أما عذاب لآخرة فهو الصحو على الحقيقة و على العدل المطلق الذي لا تفوته ذرة الخير و لا ذرة الشر و هو اليقين بنظام المنظم الذي أبدع كل شيء صنعاً .

((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ))

و اليقين هنا هو الموت و ما وراءه .

* * *
………………ماذا قالت لي الخلوة
هل أنت صادق ؟

سؤال سوف يجيب عليه الكل بنعم .. فكل واحد يتصور أنه صادق و انه لا يكذب .. و قد يعترف أحدهم بكذبة أو بكذبتين و يعتبر نفسه بلغ الغاية من الدقة و الصراحة مع النفس و انه أدلى بحقيقة لا تقبل مراجعة .

و مع ذلك فدعونا نراجع معاً هذا الإدعاء العريض و سوف نكتشف أن الصدق شيء نادر جدّاً .. و أن الصادق الحقيقي يكاد يكون غير موجود .

و أكثرنا في الواقع مغشوش في نفسه حينما يتصور انه من أهل الصدق .

بل إننا نبدأ في الكذب من لحظة أن نتيقظ في الصباح و قبل أن نفتح فمنا بكلمة .

أحياناً تكون مجرد تسريحة الشعر التي نختارها كذبة .

الكهل الذي يسرح شعره خنافس ليبدو أصغر من سنه يكذب , و المرأة العجوز التي تصبغ شعرها لتبدو أصغر من سنها تكذب .

و الباروكة على رأس الأصلع كذبة .

و طقم الأسنان في فم الأهتم كذبة .

و البدلة السبور الخفيفة التي تخفي تحتها فانلة صوف كذبة .

و الكورسيه و المشدات حول البطن المترهلة كذبة .

و النهد الكاوتشوك على الصدر المنهك من الرضاع كذبة .

و المكياج الذي يحاول صاحبه إن يخفي به التجاعيد هو نوع آخر من الكذب الصامت .

و البودرة و الأحمر و الكحل و الريميل والرموش الصناعية .. كلها أكاذيب ينطق بها لسان الحال قبل أن يفتح الواحد منا فمه و يتكلم .

بل إن مجرد ضفيرة المدارس على رأس بنت الثلاثين كذبة .

و اللبانة في فم رجل كهل هي كذبة أكثر وقاحة .

كل هذا و لم يبدأ اللسان ينطق و لم يفتح الفم بعد .

فإذا فتح الواحد منا فمه و قال صباح الخير .. فإنه يقولها على سبيل العرف و العادة .. لم ينوي له الخير و لم ينوي له الشر .. فهو يكذب .. و هو يقرأ السلام على من يبيت له العدوان .. فهو يكذب .

فإذا رفع سماعة التلفون مضى يطلب ما لا يريد من الأشياء لمجرد أنها مظاهر و مجاملات .. فهو يكذب .. و قد يرفض ما يريد خجلاً و ادعاء .. فهو يكذب .

و الولد و البنت يتكلمان طوال ساعتين في كل شيء إلا ما يتحرقان شوقاً إلى أن يتصارحا به .. فهما يكذبان .

و فتاة البار تبدؤك الحديث بالحب و هو لا يخطر لها على بال و لا تشغلها سوى حافظة نقودك . و كم زجاجة من الشمبانيا ستفتح لها .

و الإعلان الذي يصف لك نكهة السيجارة و فوائدها الصحية يكذب عليك .

و الإعلان الذي يقول لك إن قرص الإسبرين يشفي من الإنفلونزا كذب حتى بالقياس إلى علم الأدوية ذاته .

و كل ما يدور في عالم البيع و الشراء يبدأ بالكذب .

و صورة لاعب التنس في يده زجاجة ويسمي و صورة الأسد الذي يحتضن زجاجة الكينا .. و بطل الجري الذي يدخن سيجارة فرجينيا كلها صنوف من الأكاذيب الظريفة التي تراها ملصقة على الجدران و على أغلفة الصحف و في إعلانات السينما و التلفزيون و كأنما أصبح الكذب عرفاً تجارياً لا لوم عليه .

و في عالم السياسة و السياسيين و في أروقة الأمم المتحدة و على أفواه الدبلوماسيين نجد أن الكذب هو القاعدة .

بل إن فن الدبلوماسية الرفيع هو كيف تستطيع أن تجعل الكذب يبدو كالصدق .. و كيف تقول ما لا تعني .. و كيف تخفي ما تريد .. و كيف تحب ما تكره .. و كيف تكره ما تحب .

و أذكر بهذه المناسبة النكتة التي رويت عن تشرشل حينما رأى شاهدة مقبة مكتوباً عليها ..

((هنا يرقد الرجل الصادق و السياسي العظيم)) .

فقال ضاحكاً :

هذه أول مرة أرى فيها رجلين يدفنان في تابوت واحد .

فلم يكن من الممكن إطلاقاً في نظر تشرشل أن يكون الرجل الصادق و السياسي العظيم رجلاً واحداً .. إذ أن أول مؤهلات العظمة السياسية في نظر تشرشل هو الكذب .

و شرط السياسة هو أن تخفي الحقيقة لحساب المصلحة .. و تتأخر العاطفة لتتقدم الحيلة .. و الفطنة .. و الذكاء .. و المراوغة .

و الدبلوماسي الذي يجاهر بعاطفته هو دبلوماسي أبله .. بل إنه لا يكون دبلوماسيّاً على الإطلاق .

و في عالم الدين و دنيا العبادات يطل الكذب الخفي من وراء الطقوس و المراسيم .

شهر الصيام الذي هو امتناع عن الأكل يتحول إلى شهر أكل فتظهر المشهيات و الحلويات و المخللات و المتبلات .. من كنافة إلى مشمشية إلى قطايف إلى مكسرات و يرتفع استهلاك اللحم في شهر رمضان فتقول لنا الإحصاءات بالأرقام إنه يصل إلى الضعف و يصبح شهر رمضان هو شهر الصواني و الطواجن .

و بين كل مائة مصل أكثر من تسعين يقفون بين يدي الله و هم شاردون مشغولون بصوالحهم الدنيوية يعبدون الله وهم في الحقيقة يعبدون مصالحهم و أغراضهم و يركعون الركعة لتقضى لهم هذه المصالح و الأغراض .

و قد عاش بابوات القرون الوسطى في ترف الملوك و السلاطين و سبحوا في الذهب و الحرير و السلطة و النفوذ , و امتلكوا الإقطاعيات و القصور باسم الدين و باسم الإنجيل الذي يقول إن الغنى لن يدخل ملكوت الله إلا إذا دخل الجمل في ثقب الإبرة .

بنهم تصوروا أنهم امتلكوا الجنة فباعوها صكوكاً لطالبي الغفران .

و في دولة الحب نجد أن مخادعة النفس هي الأسلوب المتعارف عليه .. يخدع كل واحد نفسه و يخدع الآخر أحياناً بوعي و أحياناً بدون وعي .. فيتحدث العاشقان عن الحب و هما يريدان أن يقدما مبرراً شريفاً مقبولاً للوصول إلى الفراش .. و يخيل للحبيب أنه قد جن حبّاً و هو في الواقع يلتمس لنفسه وسيلة للهرب من واقع مرير .

كنوع من إظهار البراعة و المهارة أو كمظهر من مظاهر النجاح .

و أحياناً تكون كلمة الحب كذبة معسولة تخفي وراءها رغبة شريرة في الامتلاك و الاستحواذ و السيطرة .

و أحياناً تكون كلمة الحب خطة محبوكة و شركاً للوصول إلى ميراث .

و هي في أكثر صورها شيوعاً وسيلة للوصول إلى لذة سريعة و طريقة لتدليك الضمير و التغلب على الخجل و رفع الكلفة .

و هي ذريعتنا الدائمة للتغلب على عقدة الذنب فتخلع المرأة آخر قطعة ثياب و هي تطمئن نفسها بأنها ضحية الحب .. و أن الحب إحساس طاهر و انه أمر الله و أنه قضاء و قدر .. و أنها ليست أول من أحبت و لا آخر من أعطت .

و لا توجد شبكة حريرية من الأكاذيب كما توجد في الحب .. ففي كل كلمة كذبة .. و في كل لمسة كذبة .. و الغريزة الجنسية ذاتها تكذب فما أسرع ما تشتعل و ما أسرع ما تنطفئ . و ما أسرع ما تضجر و تمل و تطالب بتغيير الطعام .

و الصدق في الحب و قصص الحب نادر أندر من الماس في الصحارى .. و هو من أخلاق الصديقين و ليس من أخلاق الغمر العادي من الناس .

و تتواطأ أغاني الحب و قصص الحب و تتآمر هي الأخرى لتنصب شراكاً من الأكاذيب المنمقة الجميلة و ترسي دعامات ساحرة من الأوهام و الأحلام الوردية و الصور البراقة الخادعة عن القبلة و الضمة و لقاء الفراش و لذة العذاب و عذاب اللذة و لسعة الحرمان و دموع الوسادة و إغماء السعادة و صحوة الفراق .. و ضباب و ضباب .. و عطور و صور خلابة مرسومة بريشة فنانين كذابين عظام .

و الكذب في الفن عادة قديمة بدأها الشعراء من زمن طويل .

و قصائد المديح و قصائد الهجاء في شعرنا العربي شاهد على انتشار هذه العادة السيئة .

و الفن وليد الهوى و الخاطر و المزاج .. و المزاج متقلب .

ما أكثر الكذب حقّاً !

إننا لنكذب حتى في الأكل فنأكل حتى و نحن شبعانون .

أين الصدق إذن ؟

و متى تأتي هذه اللحظة الشحيحة التي نتحرى فيها الحق و الحق وحده ؟

إنها تأتي على ندرة .

في معمل العالم الذي يضع عينه على ميكروسكوب بحثاً عم حقيقة .

هنا نجد العقل يتطلع في شوق حقيقي و صادق و يبحث في حياد مطلق .. و يفكر في موضوعية على هدى أرقام دقيقة و مقادير و قوانين .

و العلم بذاته هو النظرة الموضوعية المستقلة عن الهوى و المزاج و أداته الوحيدة .. صدق الاستقراء .. و صدق الفراسة .

و اللحظة الأخرى الصادقة هي لحظة الخلوة مع النفس حينما يبدأ ذلك الحديث السري .. ذلك الحوار الداخلي .

تلك المكالمة الانفرادية حيث يصغي الواحد إلى نفسه دون أن يخشى أذناً أخرى تتلصص على الخط .

ذلك الإفضاء و الإفشاء و الاعتراف و الطرح الصريح من الأعماق إلى سطح الوعي في محاولة مخلصة للفهم .

و هي لحظة من أثمن اللحظات .

إن الحياة تتوقف في تلك اللحظة لتبوح بحكمتها .

و الزمن يتوقف ليعطي ذلك الشعور المديد بالحضور .. حيث نحن في حضرة الحق .. و حيث لا يجوز الكذب و الخداع و لتزييف .. كما لا يجوز لحظة الموت و لحظة الحشرجة .

إننا نكتشف ساعتها أننا عشنا عمرنا من أجل هذه اللحظة .. و أننا تألمنا و تعذبنا من أجل أن نصل إلى هذه المعرفة الثمينة عن نفوسنا .

و قد تأتي تلك اللحظة في العمر مرة فتكون قيمتها بالعمر كله .

أما إذا تأخرت و لم تأت إلا ساعة الموت .. فقد ضاع العمر دون معنى و دون حكم .. و أكلته الأكاذيب .. و جاءت الصحوة بعد فوات الأوان .

و لهذا كانت الخلوة مع النفس شيئاً ضروريّاً و مقدساً بالنسبة لإنسان العصر الضائع في متاهات الكذب و التزييف .. و هي بالنسبة له طوق النجاة و قارب الإنقاذ .

و الإنسان يولد وحده و يموت وحده و يصل إلى الحق وحده .

و ليست مبالغة أن توصف الدنيا .. بأنها باطل الأباطيل الكل باطل و قبض الريح ..

فكل ما حولنا من مظاهر الدنيا يتصف بالبطلان و الزيف .

و نحن نقتل بعضنا بعضاً في سبيل الغرور و إرضاء لكبرياء كاذب .

و الدنيا ملهاة قبل أن تكون مأساة .

و مع ذلك نحن نتحرق شوقاً في سبيل الحق و نموت سعداء في سبيله .

و الشعور بالحق يملؤنا تماماً و إن كنا نعجز عن الوصول إليه .

إننا نشعر به ملء القلب و إن كنا لا نراه حولنا .

و هذا الشعور الطاغي هو شهادة بوجوده .

إننا و إن لم نر الحق و إن لم نصل إليه و إن لم نبلغه فهو فينا و هو يحفزنا و هو مثال مطلق لا يغيب عن ضميرنا لحظة و بصائرنا مفتوحة عليه دوماً .

و لحظة التأمل الصافي تقودنا إليه .

و العلم يقودنا إليه .

و مراقبتنا لأنفسنا من الداخل تقودنا إليه .

و بصائرنا تهدى إليه .

و الحق في القرآن هو الله .. و هو أحد أسمائه الحسنى .

و كل هذه المؤثرات الداخلية تدل عليه .

و هو متجاوز للدنيا متعال عليها .

نراه رؤية بصيرة لا رؤية بصر .

و تبرهن عليه أرواحنا بكل شوقها و بكل نزوعها .

و العجب كل العجب لمن يسألنا عن برهان على وجود الله .. على وجود الحق .. و هو نازع إليه بكليته مشغوف به بجماع قلبه .

و كيف يكون موضع شك من قلبه كل القلوب و مهوى جميع الأفئدة و هدف جميع البصائر ؟

كيف نشك في وجوده و هو مستول على كل مشاعرنا ؟

كيف نشك في الحق و نطلب عليه دليلاً من الباطل ؟

كيف ننزلق مع المنطق المراوغ إلى هذه الدرجة من التناقض فنجعل من لب الوجود و حقيقة حقائقه محل سؤال ؟

إني لا أجد نصيحة أثمن من أن أقول ليعد كل منا إلى فطرته .. ليعد إلى بكارته و عذريته التي لم تدنسها لفلفات المنطق و مراوغات العقل .

ليعد كل منا إلى قلبه في ساعة خلوة .

و ليسأل قلبه .

و سوف يدل قلبه على كل شيء .

فقد أودع الله في قلوبنا تلك البوصلة التي لا تخطئ .. و التي اسمها الفطرة و البداهة .

و هي فطرة لا تقبل التبديل و لا التشويه لأنها محور الوجود و لبه و مداره و عليها تقوم كل المعارف و العلوم .

((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ))

(الروم – 30)

لقد جعل الله هذه الفطرة نازعة إليه بطبيعتها تطلبه دواماً كما تطلب البوصلة أقطابها مشيرة إليه دالة عليه .

فليكن كل منا كما تملي عليه طبيعته لا أكثر .

و سوف تدله طبيعته على الحق .

و سوف تهديه فطرته إلى الله بدون جهد .

كن كما أنت .

و سوف تهديك نفسك إلى الصراط .

………………التوازن العظيم

لا أنسى تلك الليلة منذ سنوات وأنا في رحلتي في أدغال أفريقيا الاستوائية أشق النيل العريض في سفينة نيلية وقد تجاوزنا الملكال ودخلنا منطقة يكثر فيها البعوض وينبسط فيها النيل على شكل مستنقعات على مدى البصر .

والسفينة تتهادى على سطح الماء في جو لزج شديد الرطوبة ويقع مريضاً بالملاريا كل من على السفينة حتى الربان .. و أنا أبتلع أقراص الكاموكين بانتظام خوفاً من الإصابة بالحمى .

و ذات ليلة خطر لي أن أصعد على سطح السفينة لأشاهد أفريقيا الاستوائية في الليل .

و دهنت وجهي و ذراعي بطارد البعوض و تسللت إلى السطح و كان ما رأيته شيئاً كالحلم .

كانت آلاف الأشجار تضيء و تنطفئ و أكنها أشجار الميلاد يلهو بها الأطفال و قد غطوها بآلاف القناديل الكهربائية الصغيرة يضيئونها و يطفئونها معاً .

و مسحت على عيني من الدهشة .ز و عدت أنظر .

كان ما أرى حقيقة لا خيالاً .

كانت الأشجار تومض بالفعل كأنها مغطاة بآلاف الكهارب ثم تنطفئ .

و أخبرتني أن ما رأيت في تلك الليلة كان هو الحقيقة بعينها .. و أن تلك الأشجار تغطيها آلاف من حشرات الحباحب المضيئة و أنها تضيء معاً لتجذب البعوض بضوئها ثم تأكله و تعود فتنطفئ من جديد .. و أن هذه سنة الطبيعة كلما تكاثرت فيها حشرة اصطنع لها الله حشرة مضادة تأكلها ليحفظ للمخلوقات توازنها فلا يطغى واحد على الآخر إلا بحساب .

و ظللت أذكر تلك الليلة .

و ظللت أذكر ذلك الحديث .

و كل يوم يجتمع لديّ المزيد من الأدلة بأن الكون هو بالفعل مسرح للتوازن العظيم في كل شيء .. و أن كل شيء قد قدر فيه تقديراً دقيقاً .

لو كانت الكرة الأرضية أصغر حجماً مما هي لضغطت جاذبيتها و لأفلت الهواء من جوها و تبعثر في الفضاء و لتبخر الماء و تبدد و لأصبحت جرداء مثل القمر لا ماء و لا هواء و لا جو و لاستحالت الحياة .

و لو كانت أكبر حجماً مما هي لازدادت قوتها الجاذبة و لأصبحت الحركة على سطحها أكثر مشقة و لازداد وزن كل منا أضعافاً و لأصبح جسده عبثاً ثقيلاً لا يمكن حمله .

و لو أنها دارت حول نفسها بسرعة أقل كسرعة القمر مثلاً لاستطال النهار إلى 14 يوماً و الليل إلى 14 ليلة و لتقلب الجو من حر مهلك بطول أسبوعين إلى صقيع قاتل بطول أسبوعين و لأصبحت الحياة مستحيلة .

و بالمثل لو أن الأرض اقتربت في فلكها من الشمس مثل حال الزهرة لأهلكتنا الحرارة .. و لو أنها ابتعدت في مدارها مثل زحل و المشتري لأهلكنا البرد .

و أكثر من هذا فنحن نعلم أنها تدور بزاوية ميل قدرها 33 درجة الأمر الذي تنشأ عنه المواسم و تنتج عنه صلاحية أكثر مناطق الأرض للزراعة و السكن .

و لو كانت قشرة الأرض أكثر سمكاً لامتصت الأكسجين , و لما وجدنا حاجتنا من هذا الغاز الثمين.

و لو كانت البحار أعمق لامتصت المياه الزائدة ثاني أكسيد الكربون و لما وجد النبات كفايته ليعيش و يتنفس .

و لو كان الغلاف الهوائي أقل كثافة لأحرقتنا النيازك و الشهب المتساقطة بدلاً من أن تستهلك هذه الشهب و تتفتت في أثناء اختراقها للغلاف الهوائي الكثيف كما يحدث حالياً .

و لو زادت نسبة الأكسجين عما هي عليه حاليّاً في الجو لازدادت القابلية للاحتراق و لتحولت الحرائق البسيطة إلى انفجارات هائلة .

و لو انخفضت لاستحال نشاطنا إلى خمول .

و لولا أن الثلج أقل كثافة من الماء لما طفا على السطح و لما حفظ أعماق البحار دافئة و صالحة لحياة الأسماك و الأحياء البحرية .

و لولا مظلة الأوزون المنصوبة في الفضاء فوق الأرض و التي تمنع وصول الأشعة فوق البنفسجية إلى الأرض إلا بنسب ضئيلة .. لأهلكتنا هذه الأشعة القاتلة .

فإذا جئنا إلى تشريح الإنسان نفسه فسوف نرى المعجز و الملغز من أمر هذا التوازن الدقيق المحسوب .. فكل عنصر له في الدم نسبة و مقدار .. الصوديوم .. البوتاسيوم .. الكالسيوم .. السكر .. الكوليسترول .. البولينا .

و أي اختلال في هذه النسب و لو بمقادير ضئيلة يكون معناه المرض .. فإذا تفاقم الاختلال فهو العجز و الموت .

و الجسم مسلح بوسائل آلية تعمل في تلقائية على حفظ هذا التوازن طوال الحياة .

بل إن قلوية الدم لها ضوابط لحفظها .

و حموضة البول لها ضوابط لحفظها .

و درجة الحرارة المكيفة دائماً عند 37 مئوية من ورائها عمليات فسيولوجية و كيميائية ثابتة متزنة عن هذا المستوى .

و كذلك ضغط الدم .

و توتر العضلات .

و نبض القلب .

و نظام الامتصاص و الإخراج .

و نظام الاحتراق الكيميائي في فرن الكبد .

ثم الاتزان العصبي بين عوامل التهدئة و الإثارة .

ثم عملية التنظيم التي تقوم بها الهرمونات و الإنزيمات بين التعجيل و الإبطاء للعمليات الكيميائية و الحيوية .

معجزة فنية من معجزات التوازن و الاتساق و الهارموني يعرفها كل طبيب و كل دارس للفسيولوجيا و التشريح و الكيمياء العضوية .

((الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً))

(الفرقان – 2)

و لن تنتهي الأمثلة في علم النبات و الحيوان و الطب و الفلك , مجلدات و مجلدات .و كل صفحة سوف تؤيد و تؤكد هذا التوازن المحكم و الانضباط العظيم في عالم الخلق و المخلوقات .

و القول بأن كل هذا الاتساق و النظام حدث صدفة و اتفاقاً هو السذاجة بعينها . كقولنا إن انفجاراً في مطبعة أدى إلى أن تصطف الحروف على هيئة قاموس محكم .

و الكيميائي المغرور الذي قال . آتوني بالهواء و الماء و الطين و ظروف نشأة الحياة الأولى و أنا أصنع لكم إنساناً . هذا الكيميائي قد قرر احتجاجه سلفاً لكل العناصر و الظروف و هو اعتراف بالعجز عن تقليد صنعة الخالق الذي خلق كل شيء و خلق ظروفه أيضاً .

و لو أنا آتيناه بكل هذه العناصر و كل تلك الظروف . و لو أنه فرضاً و جدلاً استطاع أن يخلق إنساناً … فإنه لن يقول .. صنعته الصدفة … بل إنه سوف يقول .. صنعته أنا .

و الكلام عن القرد الذي يجلس على آلة كاتبة لمدى اللانهاية من الزمان ليدق لانهاية من الإمكانيات .

وكيف أنه لا بد يوماً ما أن يدق بالصدقة بيتاً لشكسبير أو جملة مفيدة .هو كلام مردود عليه .

فسوف نسلم جدلاً وفرضاً بأن هذا حدث في الطبيعة وبأنه حدث صدفة واتفاقاً وبعد ملايين الملايين من التبادل والتوافيق بين العناصر …تكونت بالصدفة في مياه المستنقعات كمية من الحامض النووي DNA الذي يستطيع أن يكرر نفسه .

لكن …كيف تطورت هذه الكمية من الحامض العضوي إلى الحياة التي نراها ؟

سوف نعود فنقول بالصدفة أمكن تشكيل البروتوبلازم .

ثم بصدفة أخرى تشكلت الخلية .

ثم بصدفة ثالثة تشعبت إلى نوعين خلية نباتية وخلية حيوانية .

ثم نتسلق شجرة الحياة درجة درجة ومعنا هذا المفتاح السحري .

كلما أعيتنا الحيلة في فهم شيء قلنا إنه حدث صدفة .

هل هذا معقول .

بالصدفة تستدل الطيور والأسماك المهاجرة على أوطانها على بعد آلاف الأميال وعبر الصحارى والبحار .

بالصدفة يكسر الكتكوت البيضة عند أضعف نقطة فيها ليخرج .

بالصدفة تلتئم الجروح وتخيط شفراتها بنفسها بدون جراح .

بالصدفة يدرك عباد الشمس أن الشمس هي مصدر حياته فيتبعها .

بالصدفة تصنع أشجار الصحارى لنفسها بذوراً مجنحة لتطير عبر الصحارى إلى حيث ظروف إنبات ورى وأمطار أحسن .

بالصدقة اكتشف النبات قنبلته الخضراء ( الكلوروفيل) واستخدامها في توليد طاقة حياته .

بالصداقة صنعت البعوضة لبيضها أكياساً للطفو(بدون معونة أرشميدس) .

والنحلة التي أقامت مجتمعاً ونظاماً ومارست العمارة وفنون الكيمياء المعقدة التي تحول بها الرحيق إلى عسل وشمع .

وحشرة وطبقت في مجتمعها نظاماً صارماً للطبقات .

والحشرات الملونة التي اكتشفت أصول وفن مكياج التنكر والتخفي .

هل كل هذا جاء صدفة .

وإذا سلمنا بصدفة واحدة في البداية .فكيف يقبل العقل سلسلة متلافة من المصادفات والخبطات العشوائية .

إنها السذاجة بعينها التي لا تحدث إلا في الأفلام الهزلية الرخيصة .

و قد وجد الفكر المادي نفسه في مأزق أمام هذه السذاجة فبدأ يحاول التخلص من كلمة صدفة ليفترض فرضاً آخراً .. فقال إن كل هذه الحياة المذهلة بألوانها و تصانيفها بدأت من حالة ضرورة .. مثل الضرورة التي تدفعك إلى الطعام ساعة الجوع . ثم بتعقد الظروف و البيئات و الحاجات فنشأت كل هذه الألوان .

و هو مجرد لعب بالألفاظ .

فمكان الصدفة وضعوا كلمة ((تعقد الضرورة)) .

و هي في نظرهم تتعقد تلقائيّاً .. و تنمو من نغمة واحدة إلى سمفونية تلقائياً .

كيف ؟

كيف ينمو الحدث الواحد إلى قصة محبوكة بدون عقل مؤلف ؟

و من الذي أقام الضرورة أصلاً ؟

و كيف تقوم الضرورة من لا ضرورة ؟

إنها استمالة العقل الخبيث المكابر ليتجنب صوت الفطرة الذي يفرض نفسه فرضاً ليقول إن هناك خالقاً مدبراً هو اليد الهادية و عصا المايسترو التي تقود هذه المعزوفة الجميلة الرائعة .

هذا التوازن العظيم و الاتساق المذهل و التوافق و التلاحم و الانسجام الذي يتألف من ملايين الدقائق و التفاصيل يصرخ بأن هناك مبدعاً لهذه البدائع و أنه إله قادر جامع لكل الكمالات قريب من مخلوقاته قرب دمها من أجسادها .. معتني بها عناية الأب الحنون مستجيباً لحاجاتها سميعاً لآهاتها بصيراً بحالاتها .. و انه الله الذي وصفته لنا الأديان بأسمائه الحسنى و لا سواه .. و ليس القانون الأصم الذي تقول به العلوم المادية البكماء .. و لا إله أرسطو المنعزلين .. و لا إله أفلاطون القابع في عالم المثل .. و لا هو الوجود المادي بكليته كما تصور إسبينواز و أتباع الوجود .

و إنما هو ك

الأحد .

الذي ليس كمثله شيء .

المتعالي على كل ما نعرف من حالات و صور و أشكال و زمان و مكان .

ظاهر بأفعاله خفي بذاته .. لا تراه الأبصار و يرى كل الأبصار .. بل إن كل الأبصار ترى به و بنوره و بما أودع فيها من قدرة .

و العقل العلمي لا يعترف بهذه الكلمات الصوفية و يريد أن يرى الله ليعترف به .. فإذا قلنا له إن الله ليس محدوداً ليقع في مدى الأبصار .. و إنه اللانهاية و إنه الغيب .

يقول لنا العلم . إنه لهذا لا يعترف به . و إنه ليس من العلم الإيمان بالغيب و إن مجال العلم هو المحسوس , يبدأ من المحسوس و ينتهي إلى المحسوس .

فنقول للعلم .. كذبت .

إن نصف العلم الآن أصبح غيباً .

العلم يلاحظ و يدون الملاحظات .. يلاحظ أن صعود الجبل أشق من النزول منه .. و إن رفع حجر على الظهر أصعب من رفع عصاً .. و أن الطير إذا مات وقع على الأرض . و أن التفاحة تقع هي الأخرى من شجرتها على الأرض .. و أن القمر يدور معلقاً في السماء .

و هي ملاحظات لا تبدو بينها علقة .

و لكن حينما يكتشف نيوتن الجاذبية ترتبط كل هذه الملاحظات لتصبح شواهد دالة على هذه الجاذبية .. وقوع التفاحة من شجرتها وصعوبة تسلق الجبل و صعوبة رفع الحجر .. و تعلق القمر بالسماء .

إنها نظرية فسرت لنا الواقع .

و مع ذلك فهذه الجاذبية غيب لا أحد يعرف كنهها .. لم ير أحد الأعمدة التي ترفع السماوات بما فيها من نجوم و كواكب .

و نيوتن نفسه و هو صاحب النظرية يقول في خطاب إلى صديقه بنتلى :

إنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها و لا إحساس تؤثر على مادة أخرى و تجذبها مع أنه لا توجد بينهم أي علاقة .

فها هي ذي نظرية علمية نتداولها و نؤمن بها و نعتبرها علماص .. و هي غيب في غيب .

و الإلكترون .

و الموجة الكلاسيكية .

و الذرة .

و النترون .

لم نر منها شيئاً و مع ذلك نؤمن بوجودها اكتفاء بآثارها . و نقيم عليها علوماً متخصصة و نبني لها المعامل و المختبرات .. و هي غيب في غيب .. بالنسبة لحواسنا .

و العلم لم يعرف ماهية أي شيء على الإطلاق .

و نحن لا نعرف إلا أسماء . لا نعرف إلا مسميات .. نحن لا نتبادل مصطلحات دون أن نعرف لها كنهاً .

و الله حينما علم آدم الأسماء فقط و لم يعلمه المسميات .

((و عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّهَا))

(31 – البقرة)

و هذه هي حدود العلم .

و غاية مطمع العلم أن يتعرف على العلاقات و المقادير . و لكنه لا يستطيع أن يرى جوهر أي شيء أو ماهيته أو كنهه . هو دائماً يتعرف على الأشياء من ظواهرها و يتحسسها من خارجها .

و مع ذلك فهو يحتضن بنظرياته كل الماهيات و يفترض الفروض و يتصور مسائل هي بالنسبة لأدواته محض غيب و تخمين .

نحن في عصر العلم الغيبي .. والضرب في متاهات الفروض .

و ليس للعلم الآن أن يحتج على الغيبيات بعد أن غرق إلى أذنيه في الغيبيات .

و أولى بنا أن نؤمن بعالم الغيب . خالقنا البر الكريم . الذي نرى آثاره في كل لمحة عين و كل نبضة قلب و كل سبحة تأمل .

هذا أمر أولى بنا من الغرق في الفروض .

………………المسخ الدجال

تروي لنا الأديان حكاية رجل يظهر في آخر الزمان و يأتي من الخوارق و المعجزات بما يفتن الناس من كافة
أرجاء الأرض فيسيرون خلفه و قد اعتقدوا أنه إله .
و تصفه الروايات بأنه أعور , و أنه يملك من القوة الخارقة ما يجعله يرى بهذه العين الواحدة ما يجري في أقصى الأرض كما يسمع بأذنه ما يتهامس به عبر البحار , كما يسقط الأمطار بمشيئته فينبت الزرع و يكشف عن الكنوز المخبوءة و يشفى المرضى و يحيي الموتى و يميت الأحياء و يطير بسرعة الريح .
و يفتتن به كل من يراه و يسجد له , على أنه الله . على حين يراه المؤمنون على حقيقته و لا تخدعهم معجزاته , و يشهَدون رسم الكفر على وجهه .
ذلك هو المسيخ الدجال , إحدى علامات الساعة التي نقرأ عنها في كتب الدين .
و المسيخ الدجال قد ظهر بالفعل كما يقول الكاتب البولندي ليوبولدفايس … و قد أسلم هذا الكاتب و عاش بمكة . و تسمى باسم محمد أسد .
و هذا المسيخ الشائه ذو العين الواحدة كما يقول ليوبولدفايس هو :
التقدم العلمي و القوة المادية و الترف المادي .. معبودات هذا الزمان .
مدينة العصر الذري , العوراء العرجاء , التي تتقدم في اتجاه واحد , و ترى في اتجاه واحد هو الاتجاه المادي , على حين تفتقد العين الثانية ((الروح)) التي تبصر البعد الروحي للحياة .. فهي قوة بلا محبة , و علم بلا دين , و تكنولوجيا بلا أخلاق .
و قد استطاع هذا المسخ فعلاً عن طريق العلم أن يسمع ما يدور في أقصى الأرض ((باللاسلكي)) و يرى ما يجري في آخر الدنيا ((بالتلفزيون)) , وهو الآن يسقط المطر بوسائل صناعية , و يزرع الصحارى و يشفي المرضى و ينقل قلوب الأموات إلى قلوب الأحياء , و يطير حول الأرض في صواريخ و ينشر الموت و الدمار بالقنابل الذرية , و يكشف عروق الذهب في باطن الجبال .
و قد افتتن الناس بهذا المسخ فعبدوه .
و امام هذا الاستعراض الباهر للتقدم العلمي الغربي فقدنا نحن الشرقيين ثقتنا بأنفسنا و نظرنا باحتقار إلى تراثنا و ديننا .
و في حمى الشعور بالنقص و التخلف تصورنا أن دياناتنا ضرب من الخرافات المخجلة التي يجب أن نتخلص منها لنلحق بركب التقدم و ندخل في رحاب المعبد الجديد . معبد العلم لنعبد ذلك الإله الجديد الذي اسمه القوة المادية .
و سجدنا مبهورين فاقدي الوعي و قد اختلطت علينا الوسيلة بالغاية .. فجعلنا من القوة المادية غايتنا . و نسينا أنها مجرد وسيلة و أداة .
القطار وسيلة .
و التلغراف وسيلة .
و الكهرباء وسيلة .
و الطاقة الذرية وسيلة .
و دور هذه الوسائل أن توضع في خدمة الإنسان لتحرره من الضرورات المادية فيفرغ إلى الفكر و التأمل و إثراء روحه بالمعرفة الحقة .
و بدلاً من أن تكون هذه الوسائل في خدمتنا أصبحنا نحن في خدمتها نكد و نكدح و نتعارك و نتكالب لنمتلك عربة و راديو و تلفزيوناً . فإذا امتلكنا هذه الأشياء ازددنا نهماً و رغبة لنمتلك عربة أكبر من العربة ثم جهاز تسجيل ستريو فونيك ثم قارباً للنزهة ثم يختاً ثم فيلا و حديقة و حمام سباحة .. ثم طائرة خاصة إن أمكن . و يطيش صوابنا شيئاً فشيئاً أمام سيل المنتجات الاستهلاكية التي تملأ الفاترينات .. و نتحول إلى جوع أكال يزداد جوعاً كلما أمعن في الشراء . و حلقة مفرغة من الأطماع لا تنتهي لتبدأ , و هي أبداً تهدف إلى اقتناء سبب من أسباب القوة المادية أو الترف الحياتي مما تطرحه التكنولوجيا كل يوم في واجهات المحلات .
و كما يكدس المواطن العادي البضائع الاستهلاكية تكدس الدول الأسلحة و الذخائر ثم تدمر بها بعضها بعضاً في حروب طاحنة ثم تعود فتكدس أسلحة أخطر و قنابل أكبر .
العالم أصبح مسرحاً مجنوناً يهرول فيها المجانين في اتجاه واحد نحو القوة المادية . المسيخ الدجال الأعور ذو العين الواحدة . معبود هذا الزمان .
لا إله إلا المادة .
هذه هي الصلاة اليومية .
اختفى الإيمان بالله .
و اختفى معه الإحساس بالأمن و السكينة و الطمأنينة .
و أصبحت الصورة الفلسفية للعالم هي غابة يتصارع فيها المخلب و الناب .
صراع طبقي .. و صراع عنصري .. و صراع عقائدي .. عالم فظيع من الخوف و القتل .
و لا أحد في السماء يرعى هذا العالم و يحفظه .
إلى هذه الحالة انتهت بنا عبادة الدجال الذي اسمه القوة المادية .
والنتيجة هي هذا الإنسان الكئيب المهموم الخائف القلق .وهذا الشاب الذي يدمن المخدرات في شوارع لندن وباريس ..والانتحار والجنون الذي بلغ ذروته في بلاد الغنى والوفرة والرخاء أمثال السويد والنرويج وأمريكا .
وإنسان المذعور الذي افتقد الأمان يحاول أن يستجلب لنفسه هذا الأمان بالوسائل الصناعية التكنولوجية .. عن طريق عين سحرية يضعها على الباب تعمل بالأشعة تحت الحمراء لاكتشاف اللصوص . و جرس الإنذار للخزينة . و رسم كهربائي للقلب كل شهر لاكتشاف الجلطة قبل أوانها . و أجهزة تكييف للحر و البرد و بوالص تأمين . و عشرات الأصناف من الفيتامينات و المسكنات و المنبهات و عشرات الأجهزة التي توفر الجهد و القوة العضلية .
و كل وسيلة ماديّة تحتاج بدورها إلى وسيلة مادية أخرى لتؤمنها . و في النهاية لا أمان , بل مزيد من الخوف و القلق و سعار نحو مزيد من الوسائل المادية بلا جدوى .
و ينسى الإنسان في هذا التيه الذي أضاع فيه عمره أنه أخطأ منذ البداية حينما تصوّر أن هذا العالم بلا إله و أنه قذف به إلى الدنيا بلا نواميس تحفظه و بلا رب يسأله .
و أخطأ مرة أخرى حينما عبد القوة المادية و جعل منها مصدراً لسعادته و هدفاً لحياته و غاية لسعيه , و أقامها مكان الله . و تصور أنها يمكن أن تمنحه الأمن و السكينة و الاطمئنان المفتقد , و أنها يمكن أن تحفظه من الموت و الدمار , فإذا هي نفسها التي تسلبه سكينة النفس , ثم إذا بها في النهاية تصبح أدوات الحروب التي تدمره و تبعثره أشلاء .
و أخطأ مرة ثالثة حينما تصور أنا الكيمياء و الطبيعة و الكهرباء علوم و أن الدين خرافة .
و لو انه فكر قليلاً لأدرك أن الكيمياء و الطبيعة و الكهرباء هي في الواقع علوم جزئية تبحث في الجزيئات و العلاقات و المقادير و الكميات .. و أن الدين علم كلي يبحث في الكليات .. بل هو منتهى العلم لأنه يبحث في البدايات الأولى للأشياء و النهايات المطلقة للأشياء , و الغايات النهائية للوجود , و المعنى العالم للحياة و المغزى الكلي للألم .
الكيمياء و الطبيعة و الكهرباء هي العلوم الصغيرة .
و الدين هو العلم الكبير الذي يشتمل على كل العلوم في باطنه .
و لا تعارض بين الدين و العلم , لأن الدين في ذاته منتهى العلم المشتمل بالضرورة على جميع لعلوم .
و الدين ضروري و مطلوب لأنه هو الذي يرسم للعلوم الصغيرة غاياتها و أهدافها و يضع لها وظائفها السليمة في إطار الحياة المثلى .
الدين هو الذي يقيم الضمير .
و الضمير بدوره يختار للطاقة الذرية وظيفة بناءة .. و لا يلقى بها دماراً و موتاً على الأبرياء .
و هو الذي يهيب بنا أن نجعل من الكهرباء وسيلة للإضاءة لا وسيلة للهلاك .
و الدين هو الذي يدلنا على أن كل العلوم وسائل هي الأخرى . و المادة ذاتها مخلوقة مثلنا و ليست إلهاً يعبد .. و أنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان الأمن و السكينة و السعادة .. و أنها من طبيعتها التحلل و الفساد و التبدل و التغير شأنها شأن ذلك الكون الناقص و أنها لا تصلح سنداً و لا تشكل قوة حقيقية .
و التقدم المادي مطلوب و لكنه وسيلة لا أكثر من وسائل الإنسان المتحضر و لا يصح أن يكون غايته .
و الدين لا يرفض التقدم المادي و لكنه يضع في مكانه كوسيلة لا غاية .
و الدين لا يرفض العلم بل يأمر به و يحض عليه و لكنه يضعه في مكانه كوسيلة للمعرفة ضمن الوسائل العديدة التي يملكها الإنسان كالفطرة و البصيرة و البداهة و الإلهام و الوحي .
و رفض العلم و رفض الأخذ بالوسائل المادية المتقدمة خطيئة مثل عبادة هذه الوسائل و الخضوع لها سواء بسواء , و هو أحد أسباب التأخر في بلادنا .
و أنت تجد في الشرق أحد اثنين .. تجد من يرفض العلم اكتفاء بالدين و القرآن .. و تجد من يرفض الدين اكتفاء و عبادة للعلم المادي و الوسائل المادية .
و ملا الاثنين سبب من أسباب النكبة الحضارية في المنطقة .. و كلاهما لم يفهم المعنى الحقيقي للدين و لا المعنى الحقيقي للعلم .
و الدين , و الإسلام خاصة , يعتبر العلم فريضة .. و يقول نبينا إن من مات مهاجراً في سبيل العلم فقد مات شهيداً .. و عن العلماء ورثة الأنبياء .. و إن علينا أن نطلب العلم و لو في الصين .. و أول كلمة نزلت في القرآن هي ((اقرأ)) .
و الإسلام دين عقل يخاطب أتباعه بالمنهج العقلي .
فالعلم و التقدم العلمي المادي له مكانه العظيم في ديننا .
و لكن هو دائماً وسيلة لا غاية .. أداة لا صنم معبود ..
و هذا هو وضع الشيء في وضعه الصحيح .
فالوسيلة المادية لا تمنح النفس أمناً و لا سكينة . و إنما هي سبيل إلى الترف و الرفاهية و تيسير الحياة .. أما القلق و الخراب الروحي فأنه يبقى و لا يزول بالرغم من وجود الفريجيدير و التلفزيون و الريكوردر و جهاز التكييف و جميع الوسائل المادية . بل إن هذا القلق و الخراب الروحي يتفاقم بازدياد خضوع الإنسان لهذه الوسائل و جريه وراءها .
و لا تنزل السكينة على القلب و لا تعمر الروح بالطمأنينة و الأمان إلا بوسيلة واحدة هي الاعتقاد بأن هناك إلهاً خلق الكون و أن هذا الإله عادل كامل .. و أنه هيأ الكون نواميس تحفظه و قدر فيه كل شيء لحكمة و سبب و أننا راجعون إليه . و أن آلامنا و عذابنا لن تذهب عبثاً . و أن الفرد حقيقة مطلقة و ليس ترساً في آلة مصيره إلى التراب .
هذا اليقين الديني هو وحده الذي يرد للإنسان اعتباره و كرامته و ليس الفريجيدير و التلفزيون و الريكوردر و لا أية وسيلة مادية مهما عظمت .
و بهذا اليقين تنزل السكينة على القلب و يصل الإنسان إلى حالة من العمار الروحي و التكامل الداخلي و يشعر بنفسه أقوى من الموت و أقوى من الظلم .
و بهذا اليقين يجابه أعظم الأخطار و يقهرها فهو بإيمانه في حصن أقوى من دروع الدبابات . حصن لا سبيل إلى اختراقه بأي قذيفة . لأنه حصن يعبر الموت ذاته .
و بهذا الإيمان يشعر الإنسان أنه استرد هويته و أنه أصبح هو هو حقّاً .. و أنه أدرك ذاته و تعرف على نفسه و مكانته من خلال إدراكه للإله الواحد الكامل .
و الذي جرب هذا الشعور النادر يعلم أنه حالة من الاستنارة الداخلية و أنه ليس افتعالاً .. و ليس استجلاباً مزيفاً للأمان .. و إنما هو الحق عينه .. و أنه الصحو و ليس الحلم .
و إنا نعلم أمر هذا اليقين من حال نقيضه ..
من حال كثرة الناس الذين يعبدون الدجال ..
مسيخ العصر الذري ذو المخ الإلكتروني .
هذه الكثرة التي تتصارع بالمخلب و الناب و تأكل المخدرات و تتخبط على أبواب الجنون و الانتحار و تنحدر في خطوات دموية إلى حرب عالمية ثالثة .
و سوف تقول لك فطرتك أي الاثنين على حق ؟
هذه الكثرة التي يأكل بعضها بعضاً و تتآكل حقداً و غلاً و ضراوة .. أم هذه القلة التي نزلت على قلوبها السكينة و أدركت أن هناك إلهاً ..
* * *
و الدين لا يرفض الحياة و لا يرفض العقل .
و الإسلام بالذات ينطلق من مبدأ حب الحياة و الحرص عليها و رعايتها , و بحض على احترام العقل و على طلب العلم و يقدم شريعة عصرية توحد بين الروح و الجسد في التئام فريد .. لا الروح تطغى على الجسد و لا الجسد يطغى على الروح و إنما يتصرف الاثنان على أنهما واحد .. فهو لا يطلب كنا أن نميت الشهوة و إنما يطلب منا أن ننظمها و نوجهها في إطار العلاقة المشروعة .. و معيار التقوى عنده ليس الانقطاع للعبادة و العزلة و الرهبانية .. و إنما معيارها العمل .. تسبيح الروح لا بد أن يقترن بعمل اليدين و سعي القدمين من أجل خير المجتمع و نفعه .. و الصلاة لا يكفي فيها خشوع النفس و إنما لا بد أن يعبر الجسد عن الخشوع هو الآخر و في ذات الوقت بالركوع و السجود ..
و الصلاة الإسلامية هي رمز لهذه الوحدة التي لا تتجزأ بين الروح و الجسد ..الروح تخشع و اللسان يسبح و الجسد يركع .
و الطواف حول الكعبة رمز آخر لدوران الأعمال حول القطب الواحد .. و استهداف الحركات و الأفكار لهف واحد هو الخالق الذي خلق الإنسان حيث لا موجود بحق إلا هو , و حيث كل شيء منه و إليه .. و الطواف هو التعبير الجسماني و النفساني و الروحاني لهذا التوحيد .
و بهذا يعيد الإسلام إلى الإنسان التئامه روحاً و جسداً و يعيد إليه السكينة فينتهي ذلك الصراع الأزلي بين الشهوة و العقل , و يولد منهما شيء جديد هو الشهوة العاقلة البصيرة التي يتوحد فيها النقيضان .. كما تتوحد العاطفة مع الفكر و الباطن مع الظاهر فلا نعود نرى ذلك المخادع يخالف قلبه عقله و يخالف عقله قوله و يخالف قوله فعله .. و إنما يقوم مقام ذلك الإنسان المفكك الممزق .. إنسان جديد توحد روحاً و جسداً .. و قولاً و فعلاً .. و باطناً و ظاهراً ..
و بوصول الإنسان إلى وحدته مع نفسه يصل إلى وحدته مع ربه .. و هي حالة القرب التي يدخل بها الإنسان دائرة الضوء و يضع قدمه على حافة الملكوت .
و يدور الإسلام حول هذه الفكرة المحورية .. فكرة التوحيد .. و يؤكد القرآن هذا المعنى في كل حرف و كل كلمة و كل آية و يكرره بمختلف الصور و القصص و الأمثلة و الحكم و العبر .
و الإسلام يقدم للعصر المادي باب النجاة الوحيد و الحل الوحيد و المخرج الوحيد .. فهو يقدم إليه كل تراثه الروحي دون أن يكلفه أن ينزل عن شيء من مكتسباته العلمية أو تفوقه المادي .. و كل ما يريده الإسلام هو أن يحقق الاقتران الناجح و التزاوج الناجح بين المادة والروح لتقوم مدينة جديدة هي مدينة القوة و الرحمة , حيث لا تكون القوة المادية مسخاً معبوداً و إنما تكون أداة و وسيلة في يد القلب الرحيم .. و بذلك يتم تحطيم المسخ الدجال .. و تقوم دولة الإنسان الكامل .
* * *
و جواباً على الذين يسألون في حيرة : لماذا خلقنا الله ؟ لماذا أوجدنا في هذه الدنيا ؟ و ما حكمة هذا العذاب الذي نعانيه ؟
يجيب القرآن بمجموع آياته .. إن الله أنزل الإنسان إلى الدنيا بفضول مفطور فيه .. ليتعرف على مجهولاتها ثم يتعرف على نفسه . و من خلال إدراكه لنفسه يدرك ربه .. و يدرك مقام هذا الرب الجليل فيعبده و يحبه و بذلك يصبح أهلاً لمحبته و عطائه .. و لهذا خلقنا الله .. و هذا الهدف النهائي .. ليحبنا و يعطينا .. و هو يعذبنا ليوقظنا من غفلتنا فنصبح أهلاً لمحبته و عطائه .
بالحب خلق
و للحب خلق .
تبارك و تعالى في سماواته , الذي خلقنا باسمه الرحمن الرحيم .

تـــــــم بعون الله

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s