الإلحاد و انفصام الشخصية

إخوتي الكرام الأفاضل

يكتسب التدين أهميته من كونه فطرة فطر الله عباده
عليها ، وركزها في نفوسهم ، فما من أحد من العالمين إلا ويجد ذلك من نفسه ،بحيث لا
يستطيع العيش بدونه إلا مع حرج وضنك ، وحاجة الإنسان إلى التدين أعظم من حاجته إلى
الطعام والشراب . ويكتسب التدين أهميته أيضا بالنظر إلى آثاره الإيجابية، على الفرد
والجماعة على حد سواء .

من هذا المنطلق يتضح لنا أن الدين ضرورة للإنسان.
والدين عند الله هو الإسلام بذلك دعي كل الرسل ، إلي أن جاء خاتم الأنبياء سيدنا
محمد صلي الله عليه وسلم برسالته الخاتمة والتي وصفها صلي الله علي وسلم في حديثه
الشريف { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق } ، فمعرفة الله وعبادته بالأسلوب الذي
حدده لنا وإسلام الوجه لله في كل الأعمال هو مكارم الأخلاق وكامل السعادة والكرامة
للبشر ، وأي شقاء نري فيه البشر هو بسبب خلافهم حول هذا الهدف أو إنحرافهم في أسلوب
العبادة .

 

ما نشهده واقعاً من الحياة التعيسة التي يحياها الملحدون ، فهم وإن تنعموا بملذات
الدنيا ونعيمها -وفق ظنهم- إلا أنهم فقدوا أغلى ما فيها وهو الإيمان بالله عز وجل ،
فهم يتقلبون في ظلمات الشك وبحار التيه النفسي ، ما يدفع بالكثيرين منهم إلى التخلص
من حياتهم – رغم بذخ عيشهم – وذلك بسبب ما يعيشونه من خواء روحي مرير ، يجعل من
الحياة – مهما توفرت لهم فيها سبل الراحة – أمرا لا يطاق ، وصدق الله إذ يقول : {
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( 124 ) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ
بَصِيرا ً(125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ
الْيَوْمَ تُنْسَى } ( طه : 124 – 126 )

كثيراً ما يتشدق الملحدون ونسمع
الكثير من الصراخ عن جدوى الدين فما رأيكم بجولة قصيرة نطلع فيه على نبذة من
روحانيات الإلحاد, أعاذنا الله وإياكم:

اقتباس:
والشكر للكون الذي ترك الأحلام العاطفية والأوهام لغيرنا!!!

..
و شيئا فشيئا بدأت أعلم ان الاله الاعظم فعلا هو المال …

.. و “الافضل” و
“الاصلح للاستمرار” و “المؤهل للبقاء” فعلا هو من يعرف كيف يجمع تلك “الثروه” و
يوظف كل مكانيات عقله في سبيل هذا الهدف ..

كنت متدينا جدا …… تقيا ً
جدا … مجاهدا في لله حق جهاده … كنت اماما للمصليين في مدرستي الابتدائيه و
مرشدا لضالين في الاعداديه ثم تطورت لاصبح مجاهدا في الثانويه ..وكنت انا الصادق
الامين في فصلي لا اكذب لا اغش في الامتحانات … ولذلك كان يأتمني الجميع علي كل
اسرارهم و متعلقاتهم … كنت محبوبا من الجميع بلا استثناء لدرجه كانت تملئني غرورا
و تسائلا : هل لاني كنت اكثرهم حفظا للقرأن مثلا ( 10 اجزاء كامله لا اذكر منهم
شيئا الان ) ام ان ( من احبه ربه حبب فيه خلقه) .. ربما كل شئ جائز … انا كنت
احفظ القرأن كأسمي قبل حتي دخولي المدرسه و احفظ الاحاديث النبويه في وقت فراغي ..
..

حياتي بدأت افهمها جيدا من خلال فهمي للاقتصاد و استثمار الانسان الحديث
للتقنيه العلميه الحديثه لكي يستغل موارده افضل استغلال … ثم بدأت انظر لاسرتي
(مواردي الخاصه) .. هؤلاء القوم لا يستحقون الحياه (رغم اني لم امنحها لهم لكي اقرر
هذا الامر بكل غرور) ولكني بدأت افكر فيهم بشكل اوسع و بشكل أدق .. بوضوح اكثر
..اتخذتهم معملا للابحاث و التجارب …..

والدي كمثال … لم اكن استطيع ان
اكثر شوكته و تعنته في اي شئ الا بالدين … كنت اخذ منه اموالا لشراء كتب دينيه و
اشتري مجلات Miss Bikini المليئه باللحم الابيض واتحجج فيما بعد بنسيان الكتاب في
مكان ما او ان شخص ما قد استعاره ولم يرجعه .

وهكذا مع والدتي و اخوتي و
اقاربي و اصدقائي .. الفرق الوحيد هو اني كنت افعل كل ذلك بنيه سليمه قبل الالحاد
.. اما بعده فقد اصبحت انتهازيا اكثر دون ان يلاحظ احد , بالعكس اعجبهم ذلك !

و فيما بعد ادركت ايضا ان اسرتي نموذج من نماذج الحيوانات الهاجسيه الكثيره
التي سأتعامل معها في المستقبل بكثره في حياتي العمليه وهم -اي اهلي- كمورد حيواني
يجب ان استغله افضل استغلال كأي مورد اخر و اسيطر عليهم لانهم اجلا ام عاجلا يشكلون
لي ” ثروه ”

.. واسأل نفسي لماذا افعل معهم ذلك و أضمر لهم كل هذا الشر ..
هم اهلي و يخدموني بحب و موده حقيقيه لم و لن اجدها ابدا في اي مخلوق علي سطح الارض
… فلماذا انا بهذه السفاله و الوضاعه معهم ؟؟
الا ان الشيطان كان يأتي و يجلس
بجواري كالصديق الودود و يناقشني مغتاظا : تلك هي قوانين الطبيعه يا غبي عصرك ..
أنسيت ما درسته ؟ لابد من ان يكون هناك حيوانات و اسياد افضل منها تركبها و تقودها
نحو الافضل لها ولاسيادها .. والا فستدمر نفسها و تدمر اسيادها معها …

نعم يا ساده كنت مستبدا .. ولازلت مستبدا …. نعم اؤمن بحريه الجنس و
الدين و الفكر و كل الحريات علي سطح الارض …. الا ان اهلي لا يستحقونها ..

في لحظه ما اشعر اني نبيا وسط عائلتي … اشعر بشعور الانبياء عندما يقولون
شيئا مهما , و يصعب عليهم الرجوع في حرف واحد مما قالوه ,
.. و هم يصدقون علي
كلامي و يفعلونه تقربا من الله .. ببساطه اصبحوا العاب في يدي ..

في وقت ما
(دون حاجه لذكر التاريخ فهو قريب علي اي حال) .. أدركت اني بحاجه لعلاج نفسي والا
فسينفجر عقلي وينتهي بي الامر في عنبر الخطرين و انا اضحك ضحكات شيطانيه و عيني
شاخصه نحو السماء .. هداني عقلي الي دراسه علم النفس بجانب الاقتصاد فكنت افوت
احيانا كثيره محاضراتي لكي احضر محاضرات علم النفس في كليه الاداب .. واقرأ كثيرا
جدا لفرويد … وهذا الرجل هو ما زاد الطين بله … فبدلا من ان اعالج نفسي ازدادت
عقدي تعقيدا .. و أدركت ان علاجي نفسي 100% ولا علاقه له بالسياسه او بالدين .. وان
عقلي هو المشكله , وليست عقول الاخرين !!

I hate this Reality .. This Zoo
!! Human being are a disease, a Cancer of this planet! They are a plague .. and
they need a Cure..

عزائــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــي للبشرية المعذبـــــــــــــــــة

اشعر كالعملاق بين الاقزام وقادتهم

اشعر بعقلي ينتصب لكل فكره
اشعر باني مختلف
لااشعر بالوحده والاغتراب
لاني ليس بحاجة لاكون مع احد اذا احسست باني انا انا الانسان انا الادمي
انا
الكل
اعلم باني مادة واعلم باني ارقى ما صنع من المادة
اعلم باني لن اذهب
هباء اذا مت
فسوف استمر باستمرار انا الكل

غدر, خيانة, وضاعة, حيوانية, إحساس بالعملقة, كذب,
نفاق …….

لاحول ولاقوة إلا بالله

اللهم أهدنا
لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت !

 


إخواني الأفاضل
ما من ثري أو تاجر متمول أو صاحب شركة يبحث عن محاسب أو أمين
صندوق له ويُخَيَّر بين رجلين أحدهما مُعْرِض عن الدين والإيمان غير ملتزم بشيء من
مبادئه، والآخر ملتزم بدين الله سبحانه وتعالى مستشعر رقابة الله له: إلا ويختار
الثاني ويعرض عن الأول، حتى ولو كان هذا الثري أو التاجر المتمول ملحداً، حتى ولو
كان علماني النزعة. وفي ذهني صور كثيرة لهذه الحقيقة التي أقولها
لكم.

فعلامَ تدل هذه الحقيقة الواقعة والمعروفة؟

إنها تدل على أن
الإنسان لن يكون أميناً في تعامله مع الآخرين ولن يكون وفياً معهم ولا صادقاً في
عمله معهم إلا إن كان مستشعراً رقابة الله سبحانه وتعالى له. ولا يتأتى هذا الشعور
إلا بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتغذية هذا الإيمان بغذائه المعروف من
الالتزام بالأوامر والابتعاد عن النواهي. هذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس
الذي ذكرته لكم. وهذه الحقيقة كم وكم أكَّدَها وبيَّنها كتاب الله سبحانه وتعالى.
كرر وأكَّدَ أن الله سبحانه وتعالى لم يُكْرِم عباده بهذا الدين وبما يحتوي من
تعليمات وشرائع إلا لتحقيق مصالحهم ولدرء المفاسد عن حياتهم، ولذلك قالوا عن الدين:
إنه شَرْع لذوي العقول السليمة، لتحقيق ما فيه صلاحهم في معاشهم – أي الدنيوي –
ومعادهم – أي الأخروي – وهذا ما أكده بيان الله. انظروا إلى قوله عز وجل: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ
اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِراطٍ
مُسْتَقِيمٍ
} [المائدة: 5/15-16]. وانظروا إلى قوله وهو يؤكد هذه الحقيقة:
{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
} [الأنفال: 8/24] الحياة
الحضارية الإنسانية الكاملة { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ
}[الأنفال: 8/24] وانظروا إلى الكلام المتمم بعد ذلك: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
خاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهِ شَدِيدُ الْعِقابِ
} [الأنفال: 8/25]. ما
علاقة هذه الآية التهديدية الثانية بالأولى؟ العلاقة واضحة ومهمة جداً: أي المجتمع
الذي لا يضبط نفسه بشرائع الله التي جاءت لصالحه فإن هذا المجتمع لابدَّ أن يقع في
براثن الشقاء؛ فيُظْلَم الضعفاء ويستشري الأقوياء طغياناً وظلماً، في حين أن الذين
أعرضوا عن شرائع الله في هذا المجتمع قلة ربما، هم القادة والحاكمون. لكن إعراض
القادة عن شرائع الله عز وجل نشرت الفساد والشقاء في المجتمع كله. والسبب إعراض
الثلة اليسيرة عن تنفيذ شرائع الله.

هذا معنى قوله سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
خاصَّةً
} [الأنفال: 8/25]. الشريعة إنما أُرسِلت لبني البشر لصلاحهم جميعاً.
الشريعة الإلهية توزع رحمات الله بين الجميع، بين الضعفاء ترفعهم إلى مستوى
الإنسانية الباسقة، والطغاة تخفضهم إلى مستوى هذه الإنسانية ذاتها. وتُوصِل الناس
بعضهم ببعض بجسور الوداد والتعاون طبق القاعدة الربانية القائلة: {وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى
الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
} [المائدة: 5/2].

هذا هو الواقع الذي ذكرته
لكم يُعَبِّر عن هذه الحقيقة التي أكدها وبيّنها لنا رب العالمين. ثم إن هذا الواقع
يلفت النظر إلى العكس والنقيض؛ ما يستشري الفساد في مجتمع من المجتمعات متمثلاً في
سرقات، متمثلاً في اغتصاب، متمثلاً في رشاوي، متمثلاً في ظلم، متمثلاً في خيانة
الوطن والأمة. ما يستشري هذا الفساد بهذه الأنواع كلها في مجتمع من المجتمعات إلا
لأن هذا المجتمع أعرض عن هذا الدين الحق الذي شرّف الله سبحانه وتعالى به عباده.
اِنطلَقَوا وتحرَّروا من ربقة الإيمان بالله عز وجل، ثم من ربقة الالتزام بأوامره،
ومن ثم من ربقة الشعور برقابة الله سبحانه وتعالى للأفراد، واستبدلوا بدين الله عز
وجل مظاهر وقوانين هي أشبه بالديكورات الشكلية منها بالعوامل التي تحمي الأمة من
الفساد والشقاء.

فلما أعرضوا هذا الإعراض عن مولاهم وخالقهم وفَرَغَت
أفئدتهم من الشعور بمراقبة الله سبحانه وتعالى لهم ومن ثمَّ فرغت أفئدتهم من مشاعر
تعظيم الله والخوف من الوقوف غداً بين يدي الله سبحانه وتعالى ظهر الفساد في البر
والبحر كما قال الله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
} [الروم: 30/41] والفساد هنا: الفساد الأخلاقي،
والفساد السلوكي، والفساد المتمثل في السرقات والنهب والسلب والخيانة للأمة والوطن،
وفي فساد البيئة كما تعلمون أيضاً أيها الإخوة، كل ذلك فساد ينبعث من الإعراض عن
مراقبة الله سبحانه وتعالى {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ
}. وإنما يعني البيان الإلهي بهذه
الجملة تلاعب الناس بدين الله وإعراضهم عن شرعه والاستبدال به شرائع أخرى وقوانين
أخرى.

وانظروا إلى قوله سبحانه: {وَلا تُفْسِدُوا فِي
الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
} [الأعراف: 7/56]، {وَلا
تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ
} ما قال لا تفسدوا في الأرض. وإنما قال: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} لتَعُمَّ الكلمة أنواع الفساد
أجمع. {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلاحِها
}، أي إصلاح يعنيه بيان الله؟ أصلحتُ حياتكم بالشرع الذي أنزلته
عليكم وشرفتكم به، هذا هو الإصلاح الذي يعنيه بيان الله، ووضعتكم أمام المنهج
الأمثل من أجل أن تحققوا سعادتكم العاجلة وسعادتكم في العقبى فلا تستبدلوا بهذا
النهج الذي أحببته لكم لأُسْعدكم به مناهج أخرى وأنظمة أخرى وأنظمة أخرى، تشقيكم
بدلاً من أن تسعدكم، تفرقكم بدلاً من أن تجمعكم، تبعث فيما بينكم عوامل الفساد
والظلم والطغيان والبغي أشكالاً وألواناً. {وَلا تُفْسِدُوا
فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ
اللَّهِ قَرِيبٌ
} [الأعراف: 7/56] ولكن {مِنَ
الْمُحْسِنِينَ
} والمحسنون هم الذين التزموا بأوامر الله وشرعه.

المجتمعات كما بينّا تفيض بالفساد أشكالاً وألواناً، كلما استشرى الفساد أشكالاً
وألواناً في المجتمع فلتعلموا أن ذلك دليل وميزان على أن الدين قد تقلص في ذلك
المجتمع، وكلما رأيتم أن الفساد اختفى، وأن الصلاح قد حلّ محله، وأن الرحمة قد
انتشرت فيما بين الناس، وأنهم أخذوا يتعاونون بالبر بدلاً من أن يتنافسوا في
العدوان ويتسابقوا إلى الأثرة بدلاً من الإيثار فلتعلموا أن الدين له هيمنة وفاعلية
في ذلك المجتمع؛ حقيقة لا شذوذ فيها قط بشكل من الأشكال.

والسر في هذا الأمر
أيها الإخوة، السر في حاجة الإنسان إلى الدين، السر في أن الإنسان لا يصلحه ولا
يجعله قادراً على أن يكون عضواً مصلحاً في مجتمعه إلا إن تحلى بدين الله عز وجل
واستشعر مراقبة الله له، السر في ذلك هو: أن الإنسان كان ولا يزال أخطر حيوان
يستشري البغي بين جوانحه في جنبات الأرض؛ إن استعرضتم واقع الوحوش في الأدغال، إن
استعرضتم واقع السباع في الغابات فلتعلموا هذه الحقيقة؛ أضرى وحش من الوحوش في
جنبات الأرض هو الإنسان. ذلك لأن الحيوانات كلها ألجمها الله بلجام الغريزة الحتمية
التي لا تستطيع أن تتجاوزها يمنة ولا يسرة، قانونها هذه الغريزة، دينها هذه الغريزة
لا تستطيع أن تتجاوزها. هذه الحيوانات هذه السباع إن استشرت وإن افترست فضمن قانون
من هذه الغزيزة تستشري وتفترس، ومن ثم فإذا انتهت حاجتها إلى الطعام والشراب غاب
الشعور بالحاجة إلى الافتراس منها وأخلدت إلى الراحة والابتعاد عن ذلك، حياتها
خاضعة لغريزة، قانونها هذه الغريزة.

أما الإنسان فقد متعه الله سبحانه
وتعالى بدلاً من هذه الغريزة بالحرية، سما به عن هذه الغريزة ولم يقيده بها، هو ليس
حيواناً لأنه عاقل، وضع بين جوانحه بدلاً عن هذه الغريزة الحرية؛ حرية الإرادة
والقدرة على اتخاذ القرار. وأنزل عليه بدلاً من الغريزة الـمُجْبِرة هذا القانون،
هذا التشريع، خاطبه به وأَمَره أن يستوعبه بعقله وقال له: بوسعك أن تُطَبِّق وألاَّ
تطبق، فإن طَبَّقْت حققتَ لمجتمعك السعادة في العقبى وفي العاجلة، وإلا عَرَّضْتَ
نفسك ومجتمعك للفساد. فالمجتمع الإنساني الذي أعرض عن هذه الشرعة التي جعلها الله
للإنسان مكان الغريزة في حياة الحيوان إلامَ يؤول حال هذا الإنسان؟ الغريزة التي
قيّد الله بها حياة الحيوان غير موجودة لدى الإنسان، والشرعة التي شرّفه الله بها
وأمره أن يضبط نفسه بها اختياراً أعرض عنها.

إلامَ سيؤول حاله؟ سيؤول حاله
إلى وحش ضَارٍ، لا الغريزة تُحَجِّمه ولا الشريعة والقوانين تضبطه، ومن ثمَّ لابد
أن ينطلق في جنبات الأرض يمنة ويسرة لا توقفه الحاجة ولا الضرورة إنما هي طبيعة
الظلم وطبيعة التعدي وطبيعة العدوان. مهما شبع يزداد طغياناً، ومهما وجد نفسه
سعيداً آمناً مطمئناً يستشري حب الأثرة في نفسه وحب اقتناص الحقوق من الآخرين أكثر
من قبل في حياته. هذه حقيقة أيها الإخوة وإن كنتم في شك منها فدونكم ما تسمعونه من
أخبار العالم صباح ومساء. اِنتقِلِوا من خبر إلى خبر إلى خبر مما يحدث كل يوم في
أقطار العالم من شرقه إلى غربه، ماذا تسمعون؟ إنْ هي إلا أخبار القتل، السلب،
النهب، العدوان، الذبح، الإفساد، الهلاك، الطغيان، الظلم، هل تسمعون غير هذا؟
لماذا؟ ذلك لأن الإنسان وحش لا يُصْلِحه إلا لجام من الدين فإن غاب هذا اللجام،
الدين الحق، إن غاب هذا اللجام عن حياته انطلق أضرى وحش في العالم كله {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي
النّاسِ
} [الروم: 30/41] هذا كلام الله سبحانه وتعالى.

أقول هذا
للذين يتأففون من الفساد اليوم إِن في مجتمعاتنا أو في مجتمعات أخرى. أقول لهم: إنْ
كنتم حقاً تتأففون من الفساد بكل أشكاله وأنواعه وألوانه فتأففوا من إعراضكم عن
الله، تأففوا من إعراضكم عن أوامر الله سبحانه وتعالى، ضعوا منهجاً لتربية الناشئة
منذ نعومة أظفارها تربية تربطهم بالله عز وجل حباً، عبودية، مهابة، خوفاً ومن ثم
تجعلهم يصطبغون بأوامره وينتهون عن نواهيه، إذن سوف تجدون أن الفساد بكل مظاهره قد
غاب وعندئذ لن تتأففوا. أما إذا كنتم تفضلون الإعراض عن الله عز وجل وعن تعاليمه
على صلاح المجتمع ومن ثَم ترضون بالفساد ثمناً لإعراضكم عن الله فلا شك أننا مقبلون
على ألوان أشد فتكاً وأشد إشقاءً للمجتمع من أنواع الفساد.

اللهم طهر
قلوبنا من كل وصف يباعدنا عن مشاهدتك ومحبتك، وأدم علينا عين عنايتك يا ذا الجلال
والإكرام.

اللهم أصلح حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ردهم إلى
دينك رداً جميلاً يا رب العالمين.
منقول بتصرف من إحدى خطب يوم الجمعة للدكتور
البوطي غفر الله لنا وله

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s