الرد على زعم الملاحدة أن الله غير موجود لعدم رؤيتنا له

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

و أشهد أن لا
إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة
و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

أما بعد :

فقد زعم
الملاحدة أن الله غير موجود لعدم رؤيتنا له قول في غاية السقوط إذ لا يستلزم عدم
رؤيتنا لله عدم وجوده فلا يشترط وجود الفاعل مع الفعل في نفس المكان كي يبقى الفعل
فالإنسان قد يستطيع التحكم في الفعل و إنشاء الفعل عن بعد فإذا كان هذا ممكناً في
حق المخلوق ففي حق الخالق سبحانه من باب أولى .


و لا تشترط الرؤية الحسية للأشياء للحكم على الأشياء بالوجود فهذا الهواء لا
تراه مع أنه لازم لحياتنا و إذا انعدم الهواء متنا ، وهذا العقل الذي نفكر به لا
نراه و إذا فقد منا صرنا مجانين و هذه الأرواح التي فينا لا نراها و إذا نزعت منا
متنا .

أضف إلى ذلك أن العجز عن رؤية الشيء لا تستلزم عدم وجوده ، وليس كل
ما لا يدرك يصح نفيه فالجاذبية لا نراها مع أننا إذا رمينا شيئا من مكان مرتفع وقع
على الأرض و المغناطيسية لا نراها مع أننا إذا قربنا حديدة من مغناطيس أو مغناطيس
من مغناطيس رأينا الانجذاب بينهما ،و لم نر المغناطيسية و هذا المصباح يضيء و
الكهرباء فيه مع أننا لم نرها فإذا انقطعت الكهرباء انطفأ المصباح .

و إذا
سألك سائل ما الدليل على وجود الضوء قلت إن عيني تبصره، ولكن هل العين العمياء تبصر
الضوء ؟ بالطبع لا ، وهل العين المغمضة تبصر الضوء ؟ بالطبع لا ، و هل العين التي
نظرت إلى غير جهة الضوء تبصره؟ بالطبع لا، فهل ننكر وجود الضوء في تلك الحالات التي
التي طرأت على العين فجعلتها لاتبصر الضوء أم نعود باللائمة على العين التي عميت أو
العين التي أغمضت أو التي نظرت في غير اتجاه الضوء ؟ .

و مثل هذا الكلام
يصدق على حاسة السمع فالأذن التي أصيبت بالصمم لاتسمع مع أن الصوت موجود، ولايجوز
لأصم أن ينكر وجود الصوت لكونه لايسمعه ولكن الأحرى أن يتهم نفسه وسمعه لا أن ينكر
صوت الرعد الذي يتردد صداه في كل مكان .

و العين التي ترى تقصر عن رؤية
كل الأطياف. فالعين الإنسانية تعجز عن إدراك الطيف فوق البنفسجي، كذلك فإنها تعجز
عن إدراك الأشعة تحت الحمراء. كذلك فإن الفضاء من حولنا مليء بالكثير من الأطياف
والموجات التي لاتدركها الحواس الإنسانية والتي لم يعلم عنها أجدادنا شيئا، والتي
ماكان لنا أن نعلمها لولا اكتشاف الآلات الحساسة ،و لذلك لايجوز أن نضع كل الثقة في
الحواس لأنها قاصرة بل أحيانا خداعة. أليست العين تريك السراب ماء؟ أليست العين
تريك السماء متماسة مع الأرض في الأفق البعيد ؟ أليست العين تريك النجم الضخم نقطة
صغيرة في السماء؟ أليس كل هذا من خداع البصر؟ .

و لذلك يمكن القول أن
هناك حقائق خارجة عن الإنسان وهناك مايقابلها من الحواس الإنسانية المعدة لإدراك
هذه الحقائق. فالضوء حقيقة يدركه الإنسان بالعين ولايجوز أن نقول أن الضوء غير
موجود لأن أذني لاتراه فالأذن غير مؤهلة لإدراك الضوء. كذلك لايمكنك القول إن الصوت
غير موجود لأن عيني لاتسمعه فالعين غير مؤهلة لإدراك الصوت. كذلك لايمكنك القول إن
الله غير موجود لأنى لاأدركه بالحواس الخمسة فالحواس الخمسة غير مؤهلة لإدراك الله
وإنما مؤهلة لإدراك المادة و الله ليس بمادة و إنما ندرك الله بعقولنا فبالعقل يصل
الإنسان إلى المعرفة الصحيحة و به يدرك حقائق الأشياء و آثارها و الكون مليء
بالموجودات التي لا تقع تحت نطاق الحس و لا تعرف عن طريق الرؤية و إنما نستدل عليها
عن طريق العقل و ظهور الآثار .

و تجد الذي ينكرون وجود الله لعدم إدراكه
بالحواس يتناقضون فهم يؤمنون بكل الحقائق العلمية التي لم يشاهدوها لظهور آثارها و
ينكرون وجود الله لأنهم لم يشاهدوه مع ظهور آثاره في الكون .

و إذا كنا نشعر
بالظمأ الحسي ونبحث عن حقيقة خارجة عنا لترويه فنجد الماء، وإذا كنا نشعر بالجوع
الحسي ونبحث عن حقيقة خارجة عنا للإشباع فنجد الطعام، وإذا كنا نستشعر الرغبة
العاطفية ونبحث عن حقيقة خارجة عنا للإشباع فنجد الجنس الآخر، ففي هذا دليل على أن
الحاجات والأشواق والآمال التي في داخلنا لم تخلق فينا عبثا وإنما لتدفعنا إلى
البحث عن الإشباع في العالم الخارجي و الحاجة إلى إله معبود عميقة في النفس
الإنسانية يشهد على ذلك التاريخ الإنساني المقروء والمنظور فوجوده سبحانه مركوزٌ في
الفطرة، أي في الطبيعة البشريَّة، ألا ترى أنَّ الإنسان منذ وُجِد في كلِّ عصرٍ
وكلِّ مجتمعٍ آمَن بإلهٍ أيًّا كانت صورته أو صفاته؟

و في المدن القديمة
يمكن أن تجد مدينة بلا متاحف، يمكن أن تجد مدينة بلا أسوار، يمكن أن تجد مدينة بلا
مسارح، و لكنك لايمكن أن تجد مدينة بلا معبد و لا عباد قال المؤرخ اليوناني بلوتارك
: (( من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح ولكن
لم ير قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها عبادة )).

و قد وقف معلم ملحد
يقول للابتدائية السادسة طلاب السنة السادسة ما معناه : أترونني ؟ قالوا نعم ، قال
فإذن أنا موجود ، ثم قال أترورن السبورة ؟ قالوا نعم قال : فالسبورة إذن موجودة .
ثم قال : أترون الطاولة : قالوا نعم ،قال : فالطاولة إذن موجودة ثم استطرد معهم حتى
وصل معهم إلى غايته الخبيثة فسأل هل ترون الله ؟ قالوا لا ، قال فالله إذن غير
موجود فوقف أحد الطلاب الأذكياء معقبا على أسئلة معلمه الملحد ، فقال لزملائه
الطلاب : هل ترون عقل أستاذكم ؟ قالوا جميعا لا ، قال الطالب الذكي : فعقل الأستاذ
إذن غير موجود فضحك الطلاب و خجل الأستاذ الملحد[1] .

هذا و الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s