الرد على زعم الملاحدة بعدم صحة دليل النظام كدليل على وجود الله

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
و أشهد أن لا
إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة
و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين .

أما بعد :

فقد زعم
الملاحدة هداهم الله أن دليل النظام لا يصح أن يكون دليلا على وجود الله ؛ لأن
الاستدلال به قائم على التشابه بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية ، فلأننا
شاهدنا أن جميع المصنوعات البشرية لاتخلو من صانع ، فلابد أن يكون للكون المنظَّم
من صانع خالق أيضا ، لشباهته بتلك المصنوعات البشرية و قال الملاحدة : هذا التشابه
بمجرده لا يكفي

 

لسحب و تعْدِيَة حكم أحدهما إلى الآخر لاختلافهما ، فإن مصنوعات البشر موجودات
صناعية ، بينما الكون موجود طبيعي ، فهما صنفان لا تناسب بينهما ، فكيف يمكن أن
نستكشف من أحدهما حكم الآخر وصحيح أننا جربنا مصنوعات البشر فوجدناها لا توجد الا
بصانع عاقل، ولكننا لم نجربذلك في الكون ؟

والجواب أن برهان النَّظم
ليس مبنياً على التشابه و التماثل بين مصنوعات البشر والموجود الطبيعي حتى يقال
بالفرق بين الصنفين ، و يقال هذا صناعي و ذاك طبيعي و يقال إِنَّا جربنا ذلك في
المصنوعات البشرية و لم نجرّبه في الكون لعدم تكرر وقوعه وعدم وقوفنا على تواجده
مراراً و لا يمكن إِسراء حكم الأَول إلى الثاني .

وبرهان النظم قائم على
إدراك الحس بوجود النظام في الكون بملاحظة العقل للنَّظم و التناسق و الانضباط بين
أَجزاء الوجود أي ملاحظة نفس ماهية النظام من دون تنظيرها بشيء ،فيحكم بما هو هو،
من دون دخالة لأَية تجربة و مشابهة ، بأَنَّ موجد النَّظم لا محالة يكون موجوداً
حكيما قديرا .

و برهان النظام قائم أيضا على البديهة العقلية القاضية
بأن النظام لا يكون إلا من منظم ذي إرادةو قدرة وحكمة و ما ذكروه من أن هذا مصنوع
وهذا طبيعي لا يلغي وجود النظام فيكليهما ، ولا يلغي البديهة العقلية القاضية بوجود
منظم للكون .

و الفارق الذي ذكروه بين الأحداث التي تكون في الطبيعة و التي
يفعلها الانسان غير مؤثر إذ لا فارق بين الأحداث التي تكون في الطبيعة و التي
يفعلها الانسان من حيث السببو العلة .

و محل دليل النظام هو وجود
النظام و النظام يفتقر إلى منظم و هو متحقق في جميع المخلوقات كما أنه متحقق في
المصنوعات البشرية فلا يجوز التفريق بينهما وهما متماثلان في هذه الوجهة و إنما
اختلفا فيغير محل الدليل بأن هذا طبيعي و هذا صناعي .

و العقل إذا رفض
الإِذعان بأَنَّ الساعة وجدت بلا صانع أَو أنَّ السيارة وجدت بلا علة، فإِنما هو
لأَجل ملاحظة نفس الظاهرة (الساعة والسيارة) حيثيرى أَنَّها تحققت بعد ما لم تكن،
فيحكم من فوره بأَنَّ لها موجداً. وليس هذا الحكم إِلا لأَجل الإِرتباط المنطقي بين
وجود الشيء بعد عدمه، ولزوم وجود فاعل له، وإِنْشئت قلت لأَجل قانون العلية
والمعلولية الذي يعترف به العقل في جميع المجالات .

و إذا كان الشيء الأقل
نظاما في الكون محتاجـًا لمريد حكيم ذي قدرة ، فكيف بالنظام الأحكم والأشمل للكون
فهو أولى بالاحتياج إلى مريد حكيم .

و الاعتقاد بوجود علامات النظام التي
تدل بالضرورة على منظم عاقل قادر من أوليات العقل[1] .

و زعمهم بعدم صحة
دليل النظام ؛ لأنه قائم على التشابه بين الكائنات الطبيعية و المصنوعات البشرية
رغم أنه خطأ فهو أيضا القول بعدم صحة أمر حسي ضروري بأمر متوهم إذ انتظام الكون أمر
مشاهد و حاجة النظام إلى منظم من البديهات[2] ، و الأمور الحسية الضرورية لاتحتاج
إلى أدلة تثبت صحتها فكيف يقال أنها لا تصح ؟!!!

هذاو الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات

[1] – العقل يميّز
بعض الحقائق دون حاجةٍ إلى براهين تثبتها أو لشهادة إنسان لتصدّقها. وتُسمى تلك
الحقائق أوليات وبديهيات وضروريات
[2] – البدهيات هي حقائق ضرورية لا تحتاج إلى
برهان، أي أنها تفرض نفسها على الذهن بحيث لا يحتاج إلى برهان لإثباتها. ويجمع
العقلاء على صحتها واعتمادها كأصول ضرورية لازمة، وهي تعتبر أسسا وقواعد أولية
ومقاييس تبنى عليها باقي الأفكار، وبراهين لإثبات صدق غيرها من الأفكار

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s