الرد على سؤال الملاحدة كيف يسعد المؤمن في الجنة و أسرته تعذب في النار ؟

إن الحمد لله
نحمده و نستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده
الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .

و أشهد أن لا إله إلى
الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد
في سبيل الله حتى أتاه اليقين

أما بعد
:

فيتسائل الملاحدة كيف يسعد المؤمن في الجنة و أسرته تعذب في النار ؟ و الجواب أن
الله لا يسوي بين من يعبده و من يعبد غيره فقد قال سبحانه
: ﴿ أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا
وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾
[1] أي : أظنَّ الذين
اكتسبوا السيئات , و كذَّبوا رسل الله , و خالفوا أمر ربهم , و عبدوا غيره ,

أن نجعلهم كالذين آمنوا بالله , و صدقوا رسله و عملوا الصالحات , و أخلصوا له
العبادة دون سواه, ونساويَهم بهم في الدنيا والآخرة؟ ساء حكمهم بالمساواة بين
الفجار والأبرار في الآخرة[2] ، و قال بن جبرين في
صدد هذه الآية : هل حسبوا ذلك؟ فهذا حسبان باطل! كيف يعتقدون و يحسبون أن نجعلهم –
و هم قد اجترحوا السيئات- أن نجعلهم مثل أهل الحسنات؟! ومثل أهل الأعمال الصالحة؟!
لقد أخطئوا في هذا الحسبان
[3]
.

وَ قال سبحانه : ﴿ أم نجْعَل الَّذين
آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ
كالفجار ﴾
[4] وَ هَذَا الاستفهام الذي في الآية استفهام إِنْكَاري على من يظنّ ذَلِك ، و هذا يدل أَن التَّسْوِيَة بَين أهل الطَّاعَة وَ أهل الْكفْر مِمَّا يعلم بُطْلَانه وَإِن ذَلِك من الحكم السيء الَّذِي تنزه الله عَنهُ .

و الله سبحانه لا يسوي بين العاصي المسلم و الكافر إذ التسوية بين المؤمن و
المنافق و المسلم و الكافر ليست من العدل ،وإن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن
الكون خُلق عبثاً وباطلاً لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر
المفسد
[5]، وَ قد
قَالَ تَعَالَى : ﴿ أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون
[6] ، و قَالَ تَعَالَى :
﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ ﴾
[7] وَوجه التَّفْرِقَة
أَن العَاصِي قَلما يَخْلُو عَن خوف عِقَاب ورجاء رَحْمَة وَغير ذَلِك من خيرات
تقَابل مَا ارْتكب من الْمعْصِيَة اتبَاعا للهوى بِخِلَاف الْكَافِر و َأَيْضًا
الْكفْر مَذْهَب وَالْمذهب يعْتَقد لِلْأَبَد وحرمته لَا تحْتَمل الِارْتفَاع أصلا
فَكَذَلِك عُقُوبَته بِخِلَاف الْمعْصِيَة فَإِنَّهَا لوقت الْهوى والشهوة
[8] .

و تأبى حكمة الله أن يُضيع أعمال العباد
سُدى، وأن يسوِّي بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي ، تأبى حكمة أحكم الحاكمين أن
تتّصف بذلك، فلولا أنّ هناك بعثاً يحاسَب فيه العباد ويجزى كلُّ عامل بعمله للزم
العبث وللزم الجور والظُّلم من الله، تعالى الله عن ذلك
[9] .

و من
سمع بالإسلام و بلغته الحجة ولم يسلم فقد ظلم نفسه ظلما كبيرا لا يغفره الله إلا
بالتوبة والإسلام، فإذا مات على ذلك استحق الخلود في نار جهنم قَالَ تَعَالَى : ﴿
ِإنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[10] ، و قَالَ تَعَالَى :
﴿ وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ
خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
[11]
.

و إن كان الأب كافرا وله زوجة مؤمنة
وأولاد فلن يجمع الله بينهم ، إذ ليس من العدل الجمع بين من آمن وأطاع، وبين من كفر
وعاند قَالَ تَعَالَى : ﴿ أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون
[12] ،و قَالَ تَعَالَى :
﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ ﴾
[13] و قَالَ تَعَالَى : ﴿
أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل
الْمُتَّقِينَ كالفجار ﴾
[14] ،و هذه الآيات تستلزم عدم التسوية بين المؤمنين و
الكافرين و عدم التسوية بين أهل الجنة وأهل النار في الدنيا و في
الآخرة

.

و ليس
في الجنة حزن قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [15] أي ويقولون حينئذ: الحمد لله
الذي أذهب عنا الخوف من كل ما نحذر، وأراحنا مما كنا نتخوف من هموم الدنيا
والآخرة
[16] ،و قال الزجاج:
أَذْهَبَ الله عن أهل الجنة كُلَّ الأحزان ما كان منها لمعاشٍ أو
معادٍ
[17] و قال السعدي
: وهذا يشمل كل حزن، فلا حزن يعرض لهم بسبب نقص في جمالهم، ولا
في طعامهم وشرابهم، ولا في لذاتهم ولا في أجسادهم، ولا في دوام لبثهم، فهم في نعيم
ما يرون عليه مزيدا، وهو في تزايد أبد الآباد[18] و قال الطنطاوي : والحزن: غم
يعترى الإنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. و المراد به هنا: جنس الحزن الشامل
لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة أى: وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم
بالأمان والسعادة والاطمئنان : الحمد لله الذي أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور
الدنيا أو الآخرة[19] و قال أبو بكر الجزائري :

قوله تعالى : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [20] أي كل الحزن فلا حزن يصيبهم إذ
لا موت في الجنة ولا فراق ولا خوف ولا همَّ ولا كرب فمِن أين يأتي الحزن[21]
.

و لا يقاس أحوال الناس يوم القيامة على
أحوال الناس في الدنيا ، ففي الدنيا يتألم المسلم إذا رأى أمه أو أباه يرفضون
الإسلام لعلمه بعاقبتهم عند الله، ولكنه يسلم لأمر الله ولا يضره هذا في الآخرة ولا
يحزنه إذا دخل الجنة ، فأهل الجنة لا يحزنون قال تعالى : ﴿ ِإنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ ﴾
[22].

هذا و الحمد لله الذي
بنعمته تتم الصالحات

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s