الرد على سؤال الملاحدة لماذا يخلد الكافر في النار رغم أن كفره كان مدة قليلة ؟

إن الحمد لله نحمده و نستعينه
ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ،
ومن يضلل فلا هادي له .

و أشهد أن لا إله إلى الله ، و أن محمدا عبده ورسوله بلغ
الرسالة ونصح الأمة و كشف الله به الغمة و جاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين

أما بعد
:

فيتسائل الملاحدة لماذا يخلد الكافر في النار ؟ و يقولون أن
خلود الكافر في النار – رغم أن كفره كان مدة قليلة – كفيل بأن
يجعل أي إنسان لادينيا لو تفكر به بصدق و تعمق ،و كيف يكون العدل في الإسلام أن
يخلد الكافر في النار لأنه عصى الله

لمدة قصيرة وهي عمره (60 عاما مثلا)؟ و هذا الكلام ناجم عن عدم تقدير الملاحدة لله
حق قدره و سوء أدبهم مع الله قال تعالى : ﴿ و َمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾[1] .

و هؤلاء الكفار قد
اقترفوا ظلما عظيما قال تعالى : ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾[2] وقد دلت الآية، وشهد به الشرع
والعقل السليم، أن الشرك أقبح العيوب، وما زال الناس يعتبرون إساءة الأدب مع
كبرائهم وسادتهم أكبر عيب وأعظم خرق، فلما كان أكبر من كل كبير، كانت
إساءة الأدب إليه، والإشراك معه عيبا ليس فوقه عيب، وخرقا لا يفوقه خرق[3] .
و الله الذي خلق الإنسان
وأعده إعدادا كاملا بكل مصالحه وأمده بما يحتاج إليه ورغم ذلك يترك الشخص عبادته
أليس هذا ظلما عظيما و إساءة أدب ليس فوقها إساءة ؟!! ، و قد قال تعالى : ﴿ وَ مَن
يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾[4] ،و عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله أي الذنب أكبر عند الله ؟
قال : « أن تدعو لله نداً وهو خلقك »[5] و لا فرق بين من كفر بالله و من
أشرك مع الله أحدا .

وفي الكفر بالله و الشرك بالله تنقص من الله و
القدح في ألوهيته و ربوبيته و مناقضة للمقصود بالخلق فقد خلق الله الإنس و الجن
لعبادته سبحانه قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾[6] فهذه الغاية ، التي خلق الله الجن والإنس لها ، و بعث جميع الرسل يدعون
إليها ، و هي عبادته ، المتضمنة لمعرفته ومحبته ، و الإنابة إليه و الإقبال عليه ،
و الإعراض عما سواه ، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى ، فإن تمام العبادة ، متوقف على
المعرفة بالله ، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه ، كانت عبادته أكمل ، فهذا الذي
خلق الله المكلفين لأجله ، فما خلقهم لحاجة منه إليهم[7] .

و الله
سبحانه لا يسوي بين العاصي المسلم و الكافر إذ التسوية بين المؤمن و المنافق و
المسلم و الكافر ليست من العدل ،وإن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن الكون خُلق
عبثاً وباطلاً لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد[8]، وَ قد قَالَ
تَعَالَى : ﴿ أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين مَا لكم كَيفَ تحكمون ﴾[9] ، و قَالَ تَعَالَى : ﴿ أَفَمَن
كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ ﴾[10] وَوجه التَّفْرِقَة أَن العَاصِي
قَلما يَخْلُو عَن خوف عِقَاب ورجاء رَحْمَة وَغير ذَلِك من خيرات تقَابل مَا
ارْتكب من الْمعْصِيَة اتبَاعا للهوى بِخِلَاف الْكَافِر و َأَيْضًا الْكفْر
مَذْهَب وَالْمذهب يعْتَقد لِلْأَبَد وحرمته لَا تحْتَمل الِارْتفَاع أصلا
فَكَذَلِك عُقُوبَته بِخِلَاف الْمعْصِيَة فَإِنَّهَا لوقت الْهوى والشهوة[11]
.

و قد أخبر الله أن من مات على الشرك -و يقاس عليه الكفر – يكون
مخلدا في نار جهنم، فقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارٍ ﴾[12] ، و فائدة ذكر الله خُلُود أهل
النَّار فِي النَّار كفهم عَن الْكفْر وَالْفساد والعناد والشقاق والنفاق[13] ، و من لم يعبأ بوعيد الله فلا
يلومن إلا نفسه .

و قد غفل الملاحدة أن استمرار العذاب و انقطاعه يرجع إلى
المعصية نفسها لا إلى زمن المعصية فكم رأينا معصية قد وقعت في مدة قصيرة، كانت
عقوبتها تحتاج إلى أضعاف تلك المدة كعبد شتم سيده، فاستحق من الاَدب على ذلك أضعاف
ما يستحقه إذا شتم عبداً مثله، وإن كان زمان الشتمين متماثلاً ،و كم رأينا الأب
يعاقب أياما كثيرة ولده على فعل وقع في ساعة واحدة منه و المشركون و الكفار قد عصوا
الملك الجبار و لم يعبدوه و في هذا استهانة بالله و سوء أدب مع الله و قد أرسل
اللهم لهم الرسل و أنزل عليهم الكتب فأبوا الهداية فلا يليق بهم إلا العذاب السرمدي
.

و إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ ؛ لِأَنَّ
نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ خُلِّدُوا فِيهَا أَنْ يَعْصُوا
اللَّهَ أَبَداً ، وَ إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ
نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَوْ بَقُوا فِيهَا أَنْ يُطِيعُوا
اللَّهَ أَبَداً ، فَبِالنِّيَّاتِ خُلِّدَ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ و أيضا خلد
الكفار لأن صفة الكفر ملازمة لهم فلو رجعوا لدنيا لعادوا لكفرهم قال تعالى : ﴿ بَلْ
بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا
نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون ﴾[14] أي :بل ظهر لهم يوم القيامة ما
كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا, وإن كانوا يظهرون
لأتباعه خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر
والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا , وكنا
من المؤمنين[15] فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين
الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى
تكذيبهم وضلالهم[16] .

قال الشيخ محمد رشيد
رضا : ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ من الشرك والكفر
والنفاق والكيد والمكر والمعاصي، لأن مقتضى ذلك من أنفسهم ثابت فيها، وما دامت
العلة ثابتة فإن أثرها وهو المعلول لا يتخلف عنها (وإنهم لكاذبون) فيما تضمنه
تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات الله، وبالكون من المؤمنين بالله ورسوله سواء
علموا حين تمنوا ووعدوا أنهم كاذبون في هذا الوعد أم لم يعلموا، فلو ردوا إلى
الدنيا لرد المعاند المستكبر منهم مشتملا بكبره وعناده، وكل من الماكر والمنافق
مرتديا بمكره ونفاقه، والمقلد مقيدا بتقليده لغيره وعدم ثقته بفهمه وعلمه،
والشهواني ملوثا بشهواته المالكة لرقه [17].

و قال أيضا سبب التعذيب
لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين، أما إذا كان لازما كالكفر والشرك
فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في
مواضع من كتابه، منها قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ
عَنْهُ ﴾ فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك وأنها غير
قابلة للإيمان أصلا. ومنها قوله تعالى : ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ
فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن
الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان العمى
والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره، ومقتضاه لا يفارقهم ، و منها قوله تعالى : ﴿
وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ
لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة،
ولو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره، ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله :
« أخرجوا من النار كل من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير » فلو كان عند هؤلاء
أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين[18] .

و قال المراغي : لو
ردوا – أي الكفار – لعادوا لما كانوا فيه لفقد استعدادهم للإيمان، وأن حالهم بلغ
مبلغا لا يؤثّر فيه كشف الغطاء و رؤية الفزع و الأهوال[19] ، و قال أيضا : ﴿ وَلَوْ
رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ من الكفر والنفاق والكيد والمكر
والمعاصي فإن ذلك من أنفسهم، ثابت فيها لخبث طينتهم وسوء استعدادهم، ومن ثم لا
ينفعهم مشاهدة ما شاهدوا ولا سوء ما رأوا [20] .

و قال الحجازي : ولو ردوا – أي الكفار
– إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والعناد وعدم الإيمان، وإنهم لقوم طبعهم
الكذب وديدنهم العناد، ولو ردوا إلى الدنيا لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط
وليست لنا حياة أخروية أبدا، وما نحن بمبعوثين وهكذا القوم الماديون لا يؤمنون
بالغيب، ولا يرجى منهم خير أبدا [21].

و قال الشنقيطي في شأن استمرار الكافر
في النار : سبب هذا الاستمرار هو ملازمة الخبث لذلك الكافر دائما ، وعدم مفارقته له
في أيّ حال من الأحوال؛ فهو منطو عليه لا يزول، وباستمرار السبب الذي هو الخبث
استمر المسبب الذي هو العذاب. والدليل على استمرار خبثه: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ
تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا
نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا
كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ فبديمومة السبب الذي هو الكفر دام المسبب الذي هو
العذاب[22] .

هذا و
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s