البعوضة وما فوقها من الكائنات

صورة مكبرة فلاشية متحركة لرأس بعوضة (سبحان الخلاق)

قال الله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين) . البقرة 26

أعلنت وزارة الصحة في المملكة العربية السعودية في يوم 17 سبتمبر عام 2000 للميلاد عن وفاة ستة عشر شخصاً نتيجة الإصابة بحمى الوادي المتصدع Rift Vally Fever في منطقة جازان، وأكدت منظمة الصحة العالمية WHO النبأ، وبدأت المملكة في حينه حملة توعية واتخاذ إجراءات وقائية توجهت أساسا نحو التخلص من المتهم الأمر الحامل للفيروس وهو البعوضة، وهكذا تعلن البعوضة كل حين عن أهميتها وخطورتها في حياة البشر وان استهانوا بها لضآلتها، وتنقل البعوضة أنواعاً خطرة من الفيروسات والطفيليات تصيب الإنسان والحيوان، وهي وراء العديد من نوبات الأوبئة التي فتكت بالملايين ؛ فليست البعوضة إذن على ضآلتها كائنا يستهان به ويذكر على استحياء وإنما هي ذات أهمية عظمة لما من آثار مدمرة ولما تسببه من أمراض، وقد كشف العلم عما يماثلها أو يزيد عنها خطورة ويفوقها ضآلة من الكائنات الدقيقة مثل الطفيليات والفطريات والبكتريات والفيروسات ؟
لقد استهان الناس عبر الأجيال بالبعوضة لضآلتها وصغر حجمها فاستنكر عليهم القرآن استهانتهم بها في تعبير معجز بليغ يشي بخطورتها واتخذها مثلا يتحدى به قبل أن يعرف دورها في نقل الأمراض، بل وقبل اكتشاف الكائنات الأخرى التي تشاركها الخطورة بما تسبب من أمراض تحداهم القرآن بما يفوقها ضآلة مثالا على عناية الله وقدرته وعلمه بأسرار كل المخلوقات .
أقوال المفسرين:
تكشف الآية الكريمة بعض أسرار الخلق بيانا لاعجاز القرآن والتحدي به لأنها امتداد لما قبلها، وقد: كانت الآيات السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين ووصف حال المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به، ووجه ربطها بما تقدم .. إقامة الحجة على حقية القرآن أنه معجز، خاصة أن الضمير في (أنه الحق) يرجع ابتداء:
إلى المثل، ويصدق إرجاعه: للقرآن (لأن) الحق هو المطابق للواقع وهذه صفته لقوله تعالى (سنريهم آثاتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فصلت 52 .
والبعوضة على ضآلتها التي جعلت الناس يستهينون بها قبل اكتشاف خطرها قد أمدها الله تعالى بمواهب بحيث لا تغالب ولا يمتنع منها أحد حتى لو كان أعظم الجبابرة، وفي قوله تعالى (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها) قال قتاة: أي أن الله لا يستحق من الحق، أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها، وقال أبو اسحاق في قوله (واضرب لهم مثلا) يس 13 أي أذكر لهم وعبارة الجوهري (ضرب الله مثلاً) التحريم 10 أي وصف وبين، وفي شرح نظم الفصيح ضرب المثل إيراده ليمثل به ويتصور ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب .. ومعنى الآية أنه تعالى .. لا يستصغر شيئاً يضرب به مثلا ولو كان في .. الصغر كالبعوضة .. فما استنكره السفهاء وأهل العناد والمراء واستغربوه .. ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، قال أبو حيان: قد أوجدها على الغاية القصوى من الإحكام وحسن التأليف والنظام وأظهر فيها مع صغر حجمها من بدائع الحكمة كمثل ما أظهره في الفيل الذي هو في غاية الكبر وعظم الخلقة .. وفي البعوضة مع صغر حجمها وضعف بنيانها من حسن التأليف ودقيق الصنع .. ما يعجز أن يحاط بوصفه وهي ما ذلك تبضع بشوكة خرطومها مع لينها جلد الجاموس والفيل وتهتدي إلى .. البشرة بغير دليل .. (وهذا) ليس في وسع أحد من البشر، وقال الخازن: والبعوض .. في غاية الصغر وله خرطوم مجوف وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية حتى أن الجمل يموت من قرصه، وفي هذا المعنى قالوا: البعوضة تؤذي الملوك فوق الأسرة، تحقرها عين من رآها تمشي إلى الملك .. تؤذيه بإقبالها .. فتعجز كفه وترغم أنفه وتضرج خده وتفري .. جلده زجرتها تسليمها ورمحها خرطومها تذلل صعبك وإن كنت ذا قوة وعزم وتسفك دمك وإن كنت ذا حلفة وعسكر ضخم تنقض العزائم وهي منقوضة وتعجز القوى وهي بعوضة ليرينا الله عجائب قدرته وضعفنا عن أضعف خليقته .
وفي نفي الاستحياء استنكار للاستهانة وبيان للأهمية والخطورة وإعلام مؤكد بعناية الله والتمكين بقدرات تتحدى المخاطبين، وعلىوجه أن لفظ (بعوضة) بدل من (مثلاً) وهو الأرجح (أي مثلا الذي هو بعوضة فما فوقها) يزيد احتصاصها وما يفوقها ضآلة بنفي الاستحياء ويصير المعنى أن الله تعالى يستنكر الاستهانة بها بل ويتخذها مثلا من بين الكائنات الضارة المماثلة لها في الخطر، فيسري الاختصاص بالضرر على ما يشير إليه حرف (ما) الثاني مما هو دونها فضلا عما يشمله حرف (ما) الأول مما يكبرها، وبهذا التحديد يختص النبأ ببيان خطر البعوضة ويشمل الأحياء مجهولة الضرر عند التنزيل مما يناظرها أو يكبرها أو يفوقها ضآلة .
والفوقية من حيث اللغة العلو والزيادة في صفة يبينها الساق سيقت من أجلها المقارنة، وفي قوله تعالى (بعوضة فما فوقها):
الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه هو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر .. (خاصة أن) الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها، أي: فما فوقها في الصغر لأن الغرض المقصود هو الصغر، ولفظ (فوق) يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة .. ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ “أقل” ودون لفظ “أقوى” مثلا موقع من بليغ الإعجاز والفاء عاطفة ما فوقها على بعوضة أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما .. (مع بيان) التدرج في الرتب، قال الرازي: أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول .. (لأن) الغرض ها هنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانيا أشد حقارة من الأول .. والشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب فإذا كان في نهاية الصغرة لم يحط به إلا علم الله فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير .. وإذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه، وعذر من حمل الفوقية على الكبر خارقا لوحدة الإطار الذي ضربت فيه البعوضة وما فوقها مثلا هو عدم العلم بما يفوق البعوضة ضآلة واعتبارها: نهاية في القلة والضعف، وغرض الأعلام حماية القرآن من التكذيب لأنه في مدى علمهم: ليس شيء .. أصغر من البعوضة، ولكن: المعنى الذي ضربت فيه مثلا هو القلة والحقارة .. ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر ؟، لأن التعقيب على الآية (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم)، وهذا يجعلهم: يتفكرون فيها فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم وإلا علموا أنها حق وما اشتملت عليه حق وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثاً بل لحكمة بالغة، وخبر الغزاة المتدرجين في الصغر دون البعوضة: لا يسوغ إنكاره لأنه ليس عبثا بل هو مشتمل على أسرار .
الشواهد العلمية:
ما هي البعوضة mosquito في الاصطلاح العلمي ؟: حشرة ضئيلة من ثنائيات الأجنحة Diptera، لا يتغذى ذكرها على رحيق الأزهار فحسب ولا يتغذى على الدماء وليس له أي دور نهائيا في اللسعات المعهودة، ولكن الأنثى فمها مصمم على ثقب جلد الإنسان والحيوانات ذات الدماء الحارة لتتغذى عليها كذلك باعتبارها مصدر غني بالبروتين اللازم لانتاج البيض، وتفرز الأنثى على الجرح سوائل من غدتها اللعابية تؤدي إلى الاحتقان وتمنع تجلط الدم فتجعله ينساب بسهولة إلى فمها، وإذا كانت حاملة لكائنات دقيقة تسبب الأمراض انتقلت إليها من لسعة سابقة لإنسان أو حيوان مصاب فمن الممكن أن تنقلها مع سوائل الغدة اللعابية وتنشر الأمراض في محيط واسع، ولذا ليست خطورتها في مجرد طنينها المزعج أو لسعاتها التي قد تكون مؤلمة ومسببة للحكة والاحتقان وإنما فيما تنقل من كائنات تسبب الأمراض الوبائية الخطيرة أو الفتاكة والتي منها طفيل الملاريا Plasmodium وطفيل الفلاريا الذي يسبب داء الفيل Elephantiasis، والفيروسات المسئولة عن مرض الحمى الصفراء fever Yellow والحمى المخية Encephaltis ومرض أبو الركب أو حمى الدنج fever Dengue والحمى النازفة fever Hemorrhagic وحمى الوادي المتصدع fever Rift Valley، ويمتد خطرها إلى عديد من الطيور والثدييات كذلك، ومن تلك الأمراض مرض دودة القلب Heartworm disease الذي يصيب الكلاب خاصة ونادرا ما يصيب الإنسان وهو ناتج عن الإصابة بنوع من طفيليات الفلاريا .

وتتكون حشرة البعوض من رأس وصدر وبطن كما هي بقية الحشرات، ولها ثلاثة أزواج من الأرجل الطويلة النحيلة، ولها زوج من الأجنحة وعضوين بجوارهما في موضع زوج آخر ضامر من الأجنحة يستخدمان كأعضاء توازن، وتوجد قشور عديدة على أوردة الجناحين تزيد من قدرة الجناح على الطيران، وتبيض الحشرة الكاملة 100-400 بيضة تفرز منها آليات التوازن البيئي أعدادا قليلة تستطيع إكمال دورة الحياة وبلوغ طور النضوج في مدة قد تبلغ 7-10 أيام في بعض الأنواع، ويمكنك توقع توالد البعوض في حدود أسبوعين من وضع البيض عندما يتوفر الماء لأنه ضروري لفقس البيض وحياة اليرقات والعذارى، ويمكن للبيضة الكمون لفترات طويلة في انتظار الماء، وقد تفقس البيضة بعد 1-3 يوم من وضعها لتتحول إلى يرقة Larva تمكث بدورها 5 يوم – عدة أسابيع قبل أن تتحول إلى عذراء Pupa، واليرقات أو الدعاميص نشطة الحركة ولذا تسمى بالهزازات Wigglers، وتأكل بشراهة وتتغذى على الطحالب والمواد العضوية في الماء، وهي من النهم والشراسة بحيث أنها قد تتغذى على يرقات أمثالها، وتتنفس اليرقات عن طريق أنبوب ناحية الذيل، ولا تتغذى العذراء وعند إثارتها تأتي بحركة لولبية ولذا تسمى بالبهلوان أو الشقلباظ Tumblers، وتمكث 2-3 يوم قبل أن يخرج من غلافها الحشرة الكاملة وتتهيأ بعد مدة قليلة للتزاوج.
وتبلغ أنواع الحشرات 3-4 مليون على الكوكب يوجد منها أكثر من 2000-3000 نوع من البعوض ينتشر في بيئات مناخية مختلفة ليبلغ كل منطقة يعمرها الإنسان ويمتد من المناطق الاستوائية حتى الدائرة القطبية ومن الأودية إلى رؤوس الجبال، والبعوض ثلاثة أنواع رئيسة مهمة وهي:

(أولا) بعوض الأنوفيليس Anopheles:
ينقل طفيل الملاريا وفيروس الحمى المخية، وتقف الحشرة وجسمها مائل على السطح ورأسها للأسفل، وتضع الأنثى البيض فرادى على سطح الماء، وجسم اليرقات مغمور في الماء في وضع أفقي يوازي سطح الماء، وتتم دورة الحياة في حوالي 18 يوما وقد تمتد إلى عدة أسابيع .
(ثانيا) بعوض الكيولكس Culex:
ينقل طفيل الفلاريا وفيروس الحمى الدماغية، وتقف الحشرة موازية للسطح، ويلتصق البيض في مجموعات كل منها قد يزيد عن 100 بيضة، وتميل اليرقات بزاوية على سطح الماء، وتتم دورة الحياة في 10-14 يوما .
(ثالثا) بعوض الإيديز Aedes:
ينقل فيروسات الحمى الصفراء وحمى أبو الركب والحمى الدماغية، وتقف الحشرة موازية للسطح وتميل اليرقات بزاوية على سطح الماء مثل الكيولكس، لكنه يتميز عنه بخصائص منها أن الحشرة عليها قشور فضية، ويستطيع البيض الصمود لفترات طويلة من الجفاف، وقد تتم دورة الحياة في عشرة أيام فقط وقد تطول إلى عدة أشهر إذا لم يتوفر ماء .
وتوفر الماء ضروري لفقس البيض وحياة اليرقات والعذارى، والبرك والمستنقعات والمزارع المفتوحة من أنسب مواضع التكاثر، ويمكن لبعض الأنواع استخدام المياه المالحة أو الماء الجاري، ويكفي في بعضها القليل مثل بقايا مياه المطر المتجمعة في ثقوب الأشجار بل ربما رحيق زهرة إذا تعذر البديل، ويتكاثر البعوض عادة بالقرب من مصادر الماء، ولكن بعض الأنواع تنتقل لمسافات بعيدة عن مكان التوالد ولذا لا تنجح كثيرا الوسائل الفردية للتخلص من البعوض ويحتاج الأمر لجهود قومية لتخفيض نسبة التكاثر، ويتفق التوزيع الجغرافي لأكثر المناطق إصابة بالأمراض التي يسببها البعوض مع التوزيع الجغرافي للمناطق الحارة، وفي فصل الشتاء قد تكون البعوضة كامنة في بعض الأنواع في انتظار فصل الربيع أو قد تكون في طور البيضة في انتظار توفر الماء .
وبانتهاء مواسم تكاثر البعوض تقل نسبة الأمراض وتتلاشى نوبات الوباء، ومن وسائل الحماية الشخصية عند تفشي المرض استخدام المواد الصناعية الطاردة أو الطبيعية كمستخلصات نبات النيم لما فيها من مواد مؤثرة كالسالانين Salannin أو استخدام الشبكات الواقية (الناموسيات)، وللحد من تكرر النوبات في المناطق المعرضة ينبغي اتخاذ احتياطات وقائية عديدة منها ردم البرك والمستنقعات أو تربية الأسماك التي تتغذى على أطوار البعوض في الماء مثل أسماك الجامبوزيا Gambosia وجابي Guppy .
ويستخدم البعوض قرونه كأدوات للاستشعار، ومن الجائز أن تكون كذلك أعضاء للذوق والشم واستشعار الحركة، والشعيرات الأكثر كثافة التي تغطي قرني الاستشعار عند الذكر تزيد من كفاءته وقدرته على تمييز أنثى نوعه، وقد تجمع من الأدلة ما يكفي للقناعة بأن قرون الاستشعار عند البعوض في غاية الحساسية والكفاءة كأدوات استقبال صوتي تماثل الآذان، خاصة مع اكتشاف انتفاخات عصبية في قواعد الشعيرات تجعلها تستجيب وتتحرك تجاه أصوات ترددها يماثل تردد طنين أجنحة الأنثى من نفس النوع، وعلى سبيل المثال تميز الذبذبة 384 هرتز (دورة / ثانية) بعوض الحمى الصفراء، وتكون على أشدها عندما يكون قرن الاستشعار موجها نحو مصدر الصوت وبهذا يمكن للحشرة بكل بساطة ودقة تحديد اتجاه الصوت أو الحركة الخفيفة خاصة مع وجود قرنين .
ويختلف معدل خفقات الأجنحة في الحشرات المختلفة، فيتدنى ليبلغ 8 خفقات في الثانية في بعض الفراشات ويرتفع إلى ما يزيد عن 1000 خفقة في الثانية في بعض الحشرات، والبعوض من الحشرات السريعة الخفقان حيث يبلغ حوالي 600 خفقة في الثانية، وخفقات أجنحة إناث البعوض هي التي تحدث الطنين المعهود، وقد أثبتت الأبحاث أنه يختلف من نوع لآخر فتستطيع الذكور بسهولة تمييز الإناث من نوعها وبذلك تتواصل الأجيال في النوع ذاته، ومعدل اهتزاز الجناح في الأنثى يقل قليلا عن الذكر، وإذا أمكن تمييز هذه الذبذبات في منطقة ما يمكن معرفة الأنواع المتواجدة، بل من الممكن كذلك اجتذاب الذكور للمصائد والتخلص منها عن طريق أحداث همهمات صناعية تماثل ذبذبات أجنحة الإناث من نفس النوع المتواجد، ومحاكاة الطبيعة كتقنية للتخلص من البعوض يمكن توجيهها كذلك لاجتذاب الإناث عن طريق أجهزة خاصة (مغناطيس البعوض) تطلق حرارة ومواد تماثل ما تطلقه الأجسام والتي منها ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء في هواء الزفير وحمض العرق Lactic acid وقد تستخدم المصابيح ليلا، وإذا نجحت تلك المحاولات في مناطق انتشار السكان ستكون كذلك أسلم كثيرا من المبيدات الحشرية كمادة د.د.ت DDT خاصة أنها تقتل الطيور والحشرات المفيدة وتخرق التوازن البيئي ومع الوقت تتولد ضدها مناعة عند البعوض فتصبح أقل قيمة في مقاومته .
كائنات ضئيلة تتحدى البشر:
قد تسبب لسعة البعوضة حكة موضعية نتيجة لاستدعاء الجسم لآليات التخلص من المواد التي تفرزها البعوضة أثناء الوخز، لكن خطرها الحقيقي يتمثل في نقل الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض، فمن الممكن أن تنقل فيروسات قد تغزو الجهاز العصبي للإنسان وتسبب الالتهاب السحائي Meningitis أو المخي Encephalitis أو المخي الشوكي Encephalomyelitis، والعائل الوسيط عادة يكون حيوانا أو طائرا قد تغذت البعوضة من دمائه الملوثة قبل مهاجمة الضحية الجديدة، والحمى المخية مرض خطير ومن علاماته تصلب الرقبة وصعوبة تمايلها للخلف وظهور تشنجات وعدة أعراض عصبية أخرى وتصل نسبة الوفيات إلى حوالي 70%، وفي الحمى الصفراء يحطم الفيروس الخلايا الكبدية ويؤدي إلى صفراء تصاحب الحمى ومن هنا كان الاسم، وحمى الوادي المتصدع ينقلها البعوض ويسببها فيروس يصيب المواشي وقد يؤدي إلى نفوقها ومن الممكن أن يصيب الإنسان، وتبدأ الأعراض بحمى وحساسية من الضوء وآلام عضلية ووهن شديد وربما نزيف وقد يؤدي للعمى إذا كتبت النجاة للمريض، والحمى المخية من مضاعفات المرض، ويمكن أن ينتقل للإنسان عن طريق التعامل مع اللحوم المصابة والمواد الإخراجية للحيوان المريض، وقد سجلت الحالات الأولى في كينيا في منطقة الوادي المتصدع ومن هنا كان الاسم، ولكن الحالات المرضية سجلت أيضا في شرق وجنوب أفريقيا وأخيرا عام 2000 في بلدان آسيوية كاليمن والمملكة العربية السعودية ومع ذلك بقي الاسم كمصطلح علما على المرض، ومرض أبو الركب سببه فيروس ومن أعراضه حمى وطفح جلدي وألم شديد في المفاصل ولذا يسمى حمى تكسير العظام Break bone fever، ويتسبب في دخول حوالي 0.5 مليون سنويا إلى المستشفيات ووقوع آلاف الوفيات، وقد ظهر شكلا للمرض أكثر عنفا بعد الحرب العالمية الثانية في جنوب شرق آسيا سمي حمى الركب النازفة أصاب الأطفال وأدى إلى وفيات عديدة، ويتميز بنزيف حاد من الفم والأنف وظمأ شديد وصعوبة في التنفس، وينتشر الآن في أمريكا الوسطى ويمتد شمالا نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وقد سجلت حالات المرضية في أكثر من 100 دولة، ويظهر هذا المرض خاصة في مارس كل عام نتيجة لتكاثر البعوض في الجو الحار صيفا، ولا يتوفر لهذا المرض حتى الآن أي لقاح ولا يوجد له أي علاج ناجح، وداء الفيل عبارة عن تورم بعض مناطق الجسم خاصة القدمين والثديين وكيف الصفن نتيجة انسداد الأوعية الليمفاوية بطفيل الفلاريا .
ويتكاثر طفيل الملاريا داخل الكريات الدموية الحمراء، والسبب في النوبات هو الانفجار الجماعي لتلك الكريات المصابة دوريا كل يوم أو يومين أو ثلاثة تبعا لنوع الطفيل واطلاق مواد غريبة مناعيا هي المسئولة عن دورية الأعراض الرئيسية: قشعريرة وارتفاع في درجة الحرارة ثم عرق تتبعه فترة راحة بين النوبات، وتستمر نوبة الملاريا في العام 4-10 ساعات، وتبدأ بعد حوالي 8-25 يوما من التعرض للبعوض، والطفيل من النوع فالسيبارم P. Falciparum يسبب الملاريا الخبيثة، وقد سميت الحالة كذلك لكونها تؤدي إلى موت حوالي 95% من حالات الملاريا، وبعد تناقص عدد الإصابات نتيجة لاستخدام مستخرجات نباتية تماثل الكينين مثل الكلوروكين Chloroquine بدأت الشكوى مع نهاية القرن العشرين من قلة الفاعلية وزيادة عدد الإصابات من جديد نتيجة تنامي أنواع من الطفيل ذات مناعة مما يحتم استخدام بدائل جديدة، ومن الممكن أن تنتقل الملاريا عن طريق استخدام شخص سليم لنفس الإبرة الطبية التي استخدمها شخص مصاب بدون تعقيمها، مثلما يحدث في حالات إدمان المخدرات باستخدام الإبر وربما ينتقل المرض كذلك عن طريق نقل الدم، وطبقا لتصريحات منظمة الصحة العالمية ما زالت الملاريا تصيب حوالي 400 مليون ضحية سنويا على مستوى الكوكب وتقتل حوالي 2 مليون شخص معظمهم من الأطفال ولا يوجد لقاح فعال ضدها حتى الآن .
وينتقل مرض الإيدز H.I.V. أساسا عن طريق الفاحشة ولكنه يمكن أن يصيب شخصا سليما عن طريق نقل الدم إليه من شخص مصاب، ومع اكتشاف المرض وانتشاره السريع اتهمت البعوضة في نقل الوباء، لكن فيروس الإيدز لا يستطيع العيش داخل البعوضة ولذا لا تستطيع أن تنقله من شخص لآخر، بينما يستطيع طفيل الملاريا العيش داخلها 9-12 يوما وفيروس الحمى المخية 10-25 يوما، والغالب أن فيروس الإيدز يهضم في بطن البعوضة مع وجبة الدم في حدود 1-2 يوما حيث لا تحتاج البعوضة خلال تلك الفترة إلى وجبة إضافية، والنقل عن طريق تلوث فم بعوضة لم يتهيأ لها إكمال وجبتها غير محتمل لأن الأعداد الحرة للفيروس في الدم قليلة لا تكفي عمليا للإصابة بهذه الكيفية، وبهذا أعفيت البعوضة من الاتهام وكفاها ما تسببه من أمراض .
عجز البشر أمام التحدي:
إن البعوضة من أخطر الآفات الحشرية Pests وما زالت تهدد البشرية، وإذا لم يمكن التخلص منها – على الأقل حتى الآن – فهل يمكن محاولة تغييرها وراثيا بحيث تصبح حشرات غير ضارة بالإنسان أو الحيوان وتكف عن تناول وجبات الدم ؟، أو يتوقف نقل الأمراض عن طريقها ؟، أو إحداث تغييرات وراثية في المادة الجينية للكائنات الوبائية التي تنقلها بحيث يتوقف إحداثها للأمراض ؟، تعكس مثل تلك التساؤلات الجريئة التي يطرحها المختصون العجز حاليا أمام إمكانات البعوضة وتحمل في طياتها آفاقا محتملة من التغير البيئي الذي قد يمتد ليشمل جميع الآفات على الكوكب والذي لا يعلم اليوم مداه أحد إلا الله سبحانه وتعالى وحده .
ولقد طالت هجمات البعوضة أكثر الدول تقنية، وعلى سبيل المثال قد انتشرت فجأة في أغسطس عام 1995 في نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية بعوضة عدوانية لسعاتها مؤلمة تهاجم بشراسة حتى في وضح النهار، ولأن موطنها الأصلي هو آسيا ولعدوانيتها الشديدة وتخطيط جسمها تسمى بالنمر الآسيوي Asian Tiger، وهي من نوع الإيديس Aedes albopictus، وقد ظهرت لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1985، فقد بدأت انتشارها بعد الحرب العالمية الثانية في هاواي ومناطق المحيط الهادئ ولكنها أخيرا وجهت زحفها نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وتتكاثر تلك البعوضة سريعا جدا لأنها لا تحتاج لكميات ماء كثيرة كي يفقس بيضها وتكفيها أية بقايا متجمعة في أواني مهملة كالإطارات القديمة للسيارات أو بقايا مياه المطر المتجمعة في فجوات الأشجار ولذا تصعب مقاومتها عملياً، وتستطيع أن تنقل فيروسات مرض أبو الركب والحمى المخية في الإنسان والحيوان .

ومع خرق التوازن البيئي بتقلص مساحة الغابات والمناطق الزراعية وانطلاق أدخنة المصانع بكميات وفيرة من الغازات المؤثرة مثل ثاني أكسيد الكربون في الجو تزداد كمية حرارة الكوكب بنسبة ملحوظة نتيجة عدم قدرة الحرارة المنعكسة منه على الهروب، وهذا يسمى تأثير البيت الزجاجي لأنه يماثل ما يحدث في بيت الزجاج المستخدم لانتاج نباتات تحتاج لحرارة أكثر، ويتوقع أن يزداد المعدل الوسطي لحرارة الكوكب حوالي 1-3.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 ميلادية، ولذا يتوقع زيادة أعداد البعوض وارتفاع نسبة الأمراض التي يسببها إذا لم يمكن اتخاذ إجراءات وقائية حاسمة على مستوى الكوكب وتعاون الجنس البشري في مواجهته .
كتاب معجز فريد:
إن المعرفة بالبعوضة والأحياء الدقيقة دونها ودورها في نقلها وإحداث الأمراض يستحيل أن يدركها أحد قبل اكتشاف المجهر، فلم يعرف دور البعوضة في نقل طفيل الملاريا مثلا إلا قبيل بداية القرن العشرين، فقد تمكن الفونس لافيران من معرفة الطفيل المسبب للملاريا عام 1880، وفي عام 1897 اكتشف سير رونالدز روز انتقال الطفيل عن طريق البعوضة، وفي عام 1898 تمكن فريق إيطالي من الباحثين من تأكيد دور البعوضة في نقل المرض، وقبيل بداية القرن العشرين كانت هناك عدة فرضيات تحاول تفسير سبب وباء الحمى الصفراء، وفي عام 1881 افترض كارلوس فينلاي أن الناقل هو البعوض، وهو ما أكده ميجور والتر عام 1900 وأثبته ويليام جورجاس في أول القرن العشرين، وبالتخلص منه أثناء شق قناة بنما تراجع المرض كثيرا، وفي نفس الفترة اكتشف باتريك مانسون طفيل الفلاريا الذي يسبب داء الفيل وعرف أن الناقل له هو البعوض كما نقل طفيل الملاريا .
وكلمة “ملاريا” إيطالية الأصل وتعني الهواء الفاسد، وقد بقيت مستخدمة حاليا كمصطلح تاريخي يعكس الاعتقاد الخاطئ بأن المرض ينتقل للإنسان عن طرق الهواء الفاسد قبل أن يعرف دور البعوضة في نقل الطفيليات المجهرية التي تسببه، ولذا عندما يستنكر القرآن الكريم الاستهانة بالبعوضة دالا على خطرها ويشرك ما فوقها ضآلة معها في الحكم فإنه يسبق عصر المعرفة العلمية بأكثر من عشرة قرون ويعلن أنه وحده هو كلمة الله الباقية للأمم خاصة أن دلالته العلمية تلك لا توجد في أي مدونة اليوم تنسب للوحي .
ومن عجيب البيان القرآني المعجز العدول باللفظ بعوضة والضمير فوقها إلى الإفراد والتأنيث بدلا عن تغليب الذكر أو التعبير بالجمع الدال على تماثل الجنسين في الوصف، والحقيقة الراسخة أن أنثى البعوض وحدها هي التي تتغذى على الدم وتنقل الأمراض وليس للذكر أجزاء فميه ثاقبة للجلد، وهكذا يعدل القرآن باللفظ إلى صيغة تتفق مع الواقع قبل أن يكتشفها الزمان وتعاينها الأجيال، ونفي الاستحياء بدلا من الإثبات لبيان أهمية البعوضة وما يماثلها يتضمن استنكار الاستهانة بها وبيان الجهل بخطرها عند التنزيل .
وتعدد الأنواع يفيده ورود (بعوضة) بالتنكير و (ما) الإبهامية مرتين لوصف ما دونها فضلا عما يكبرها من كائنات مؤذية أو ناقلة للمرض، وأنواع البعوض والكائنات الدقيقة تتمايز في أشكالها وعاداتها وكذلك في أسلحتها التخصصية التي تتحدى بها الإنسان وتهاجم بها الحيوان حيث يسبب النوع الواحد أنواعا محددة من الأمراض لضحايا محددة، وما أشبه الصراع مع كائن ضئيل بمعركة كتبت لجنوده فيها الغلبة على الدوام فكانت تحديا أبديا لغرور الإنسان وكبريائه ومثالا صارخا على قدرة الله المعجزة وعنايته بالخلق مهما بلغت ضآلته، وهكذا تحدي القرآن الكريم البشر ببعوضة ضئيلة وما يفوقها ضآلة من كائنات دقيقة آية على علم الله المحيط وبينة على التنزيل، وما أعظم الصدق وأروع بيان العلم بخفايا التكوين في قوله تعالى: (وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر) المدثر 31 .
وإن الإنسان لو تيقظ حق تيقظ إلى أن البعوضة وكل ذرة من ذرات الكون يقدس الله تعالى وينزهه ويشهد بجلاله وكبريائه وقهره وعمر خاطره بهذا الفهم لشغله ذلك عن الطعام فضلا عن فضول الأفعال والكلام، فلا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات .. وهذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله وبحسب تركيبها العجيب تدعو إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله فكأنه تعالى يقول مثل هذا الشيء كيف يستحيا منه .
فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده وهذه آثار صنعته وآيات قدرته ؟ ومن ذا الذي يجعل لله أندادا ويد الإعجاز واضحة الآثار فيما تراه الأبصار وفيما لا تدركه الأبصار ؟ .. فالله رب الصغير والكبير وخالق البعوضة والفيل والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل إنها معجزة الحياة معجزة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله .. على أن العبرة في المثل ليست في الحجم .. إنما الأمثال أدوات للتنوير والتبصير وليس في ضرب (المثل بالبعوضة) ما يعاب وما من شأنه الاستحياء من ذكره .. (فأما الذين آمنوا فيعلمون أن الحق من ربهم) ذلك أن إيمانهم بالله يجعلهم يتلقون كل ما يصدر عنه بما يليق بجلاله وبما يعرفون من حكمته وقد وهبهم الإيمان نورا في قلوبهم وحساسية في أرواحهم وتفتحا في مداركهم واتصالا بالحكمة الإلهية في كل أمر وفي كل قول يجيئهم من عند الله: (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) وهو سؤال المحجوب عن نور الله وحكمته المقطوع الصلة بسنة الله وتدبيره
———————
سبحان الله(مقارنة بين جناح الطائرة وجناح البعوضة)
————–
بديع خلق الله لا تنقضي عجائبه وستظل البشرية تستلهم منه الدرس تلو الدرس. في هذا الصدد ما زلت أذكر اليوم القصة التي رواها لنا أحد أساتذة مادة التصميم الهندسي إبان كنت طالبًا بالجامعة. تتلخص القصة في أن إحدى الجهات البريطانية المسؤولة أعلنت عن مسابقة تصميم هندسي لكوبري عبر نهر التايمز بلندن بمواصفات ومتطلبات صعبة المنال بل تكاد تكون شبه تعجيزية، فقد كان مطلوبًا أن يجمع الكوبري بين خفة الوزن من ناحية والقدرة على تحمل الأوزان الثقيلة من ناحية أخرى. وقد باءت جميع المحاولات المضنية للمصممين ـ المتنافسين للتوصل إلى التصميم المطلوب ـ بالفشل، وكادت أن تنتهي المسابقة بإعلان العجز، لولا أن أحدهم تذكر أنه قد علم في صفوف دراسته الباكرة بأن القنفذ ذلك المخلق الصغير يتمتع بتركيبة هيكل عظمي متميزة تمكنه من تحمل وزن رجل يبلغ 70 كغم بينما لا يزيد وزنه هو في المتوسط عن كغم واحد أي أنه يستطيع حمل 70 ضعف وزنه. فقام المهندس بدراسة تركيبة الهيكل العظمي لذلك المخلوق الضعيف في نظر الإنسان، ومن ثم قام بتصميم للكوبري المطلوب مقلدًا الهيكل العظمي للقنفذ فنجح في تصميمه وفاز بالجائزة وتم بالفعل إنشاء الكوبري بنجاح لاحقًا.
تداعت تلك الأفكار ببالي وأنا أطالع الجديد في مجال علم الطيران المقارن بين الطائرات الحديثة من جهة والأحياء من جهة أخرى والتي تشمل ثلاث طبقات من المخلوقات هي الطيور على اختلاف أنواعها وأحجامها، والخفاش وهو حيوان ثديي طائر، والحشرات الطائرة. ولكل طبقة من هذه المخلوقات خصوصيات يضيق المجال عن تعدادها في طريقة وأسلوب طيرانها، فهي وإن كانت جميعًا تستطيع أن تطير، إلا أن طريقة كل منها في الطيران تتمتع بخصوصيات خارجة عن نطاق قدرات الطبقات الأخرى.
فالحشرات مثلاً تعاني بادي الرأي من كبر وزنها مقارنة بحجم أجنحتها ورقة تلك الأجنحة لدرجة العديد من مهندسي وعلماء الطيران ظلوا في حيرة لعقود طويلة في تفسير كيفية قدرة هذه المخلوقات على الطيران لأن تركيبتها المشار إليها لا تتوافق مع النظريات المعروفة للإنسان في مجال الطيران، فطبقًا للنظريات التي تدرس في كل المعاهد والجامعات العالمية المتخصصة فإن من المفترض أن كثيرًا من الحشرات الطائرة والطيور الصغيرة والخفافيش لا تستطيع الطيران أصلاً.
فمن المعلوم أن كل شيء يطير بجناحيه سواءً أكان طائرة بوينغ 747 العملاقة أو مجرد ناموسة صغيرة لا وزن يذكر لها يتحتم عليه توليد قوة رافعة تزيد عن وزنه على أقل تقدير وإلا فإنه سيظل ملتصقًا بالأرض بفعل الجاذبية كبقية المخلوقات. والتحليلات العلمية للقوى الرافعة المتولدة عن أجنحة تلك المخلوقات طبقًا لنظريات الرفع المستخدمة في تصميم الطائرات الحديثة لا تستطيع نظريٌّا أن تزودها بأكثر من ثلث القوى الرافعة اللازمة لطيرانها. بيد أن واقع الحال المشاهد على خلاف ذلك، إذ تتمتع تلك المخلوقات بقدرات طيران تفوق إلى حد بعيد قدرات أحدث الطائرات المقاتلة. فالحشرات الطائرة تستطيع أن تطير إلى الأمام وإلى الخلف كما أنها تستطيع أن تحوم وتناور بخفة وبمرونة أكبر من أفضل الطائرات المقاتلة الحديثة، بل إنه وبطريقة لا تزال غير مكتملة المعالم لذوي التخصص فإن الحشرات الطائرة والطيور الصغيرة تتمكن من توليد ما يزيد عن ثلاثة أضعاف ما يمكن حسابه بواسطة النظريات المستعملة في تصميم الطائرات. وسبب هذه المفارقة العلمية هو بالطبع قصور الإنسان في فهم كامل الحقيقة العلمية وفي الافتراضات العلمية التبسيطية التي تبنى عليها نظريات السريان الهوائي المعتمدة في تصميم الطائرات.
ونقطة البداية لحل هذه المعضلة العلمية تكمن في النظر في فوارق تكوين أجنحة الحشرات الطائرة وطريقة عملها المغايرة لعمل أجنحة الطائرات. تمتاز أجنحة هذه المخلوقات عن أجنحة الطائرات بحركات معقدة ثلاثية الأبعاد يقوم فيها الطائر بدفع جناحيه الرقيقين إلى الأمام وخفضهما إلى الأسفل في نفس الآن مع دوران للجناح حول محوره الطو- ثم إكمالاً للحركة المولدة للرفع يقوم الطائر بعكس تلك الحركات المركبة من الأعلى والخلف مما يساعده في توليد المزيد من قوى الرفع. تقوم هذه المخلوقات بخفق أجنحتها بالطريقة المذكورة عشرات المرات في الثانية الواحدة، وعند قمة الهرم، فإن الطائر الطنان يقوم بخفق جناحيه بالطريقة ذاتها 200 مرة في الثانية الواحدة، أي أنه يقوم بخفق جناحيه 72,000 مرة في ساعة واحدة فقط، وهو أمر يتخطى العمر الافتراضي لقدرة تحمل جناح طائرة كبرى مثل البوينغ 747 لعشرين عامًا بمرة ونصف، حيث تعتبر دورة انحناء جناح الطائرة نحو الأعلى ثم نحو السفل عند كل عملية إقلاع وهبوط بمثابة رفة واحدة فقط من رفات جناح الطائر الطنان، ومن خلال استمرارية هذا الخفق المعقد الحركات تتولد قوى الرفع التي لم يستطع العلماء بدءًا فهم آليتها إلا مؤخرًا، بالمقابل يتم تصميم أجنحة الطائرات على دراسات أكثر تبسيطًا (ثنائية الأبعاد) تفترض الثبات في سرعة سريان الهواء على جناح الطائرة ذي المنحنى الهوائي الثابت، أو سرعة الدوران الثابتة لريش (أجنحة) المروحيات (الهليوكوبتر).
وما زال العلماء يدرسون ظاهرة تفوق قوى الرفع للطيور الصغيرة والحشرات بالنسبة لأجنحة الطائرات منذ الخمسينيات دون أن يتوصلوا إلى فهم للظاهرة حتى قام فريق من العلماء في عام 1997م ببناء آلة تحاكي شكل بعض أنواع الفراشات تكلف تصميمها وإنتاجها 100.000 دولار أمريكي واستغرق تسعة أشهر من الجهود المكثفة لفريق التصميم، طول جناح الفراشة الآلية (1متر) وهو يساوي عشرة أضعاف طول جناح أكبر الفراشات (10سم) حجمًا، ويخفق بنفس أسلوب الفراشة الحية لكن بسرعات أبطأ، من أجل تكبير ما يجري إلى مقياس يسهل معه رصد تفاصيله الدقيقة والتعلم منها، وقد قرر العلماء بناء الآلة بعد أن باءت جميع جهودهم السابقة في دراسة الحشرات الطائرة والفراشات بالفشل نظرًا لصغر وهشاشة أجنحتها مما يشكل عقبات عملية في دراستها. وتمكن العلماء أخيرًا من خلال دراسة السريان الهوائي لجناح الفراشة الميكانيكية العملاقة من اكتشاف اللغز الذي حيرهم لخمسة عقود من الزمان، تبين من هذه الدراسات استفادة الحشرات الطائرة من ظاهرة الدوامات الهوائية، تتسبب في حصول انهيار قوة الرفع في أجنحة الطائرات (ستال) أما سبب تدني سرعة الطائرة أو زيادة زاوية الهجوم فتتحول الطائرة في تلك الحالات إلى مجرد كتلة مرتفعة عن سطح الأرض تسقط بسبب قوة الجاذبية سقوط الحجر من جو السماء، لكن الدوامات الهوائية تستغل بشكل فعال من قبل الحشرات وذلك بتدوير الجناح في اللحظة الحاسمة لتلتصق الدوامة بمقدمة الجناح فتولد قوة رفع تزيد مرة ونصف عن احتياج الحشرة للطيران بدلاً من أن تتسبب في انهيار قوة الرفع لجناح الحشرة كما هو الحال بالنسبة للطائرات، ولا يتوقف هذا الترتيب البديع في أسلوب طيران الحشرات على الكيف فقط بل إن الكم كذلك لمن بديع صنع الله حيث تستطيع الحشرة الطائرة توليد مرة ونصف ضعف ما تحتاجه كحد أدنى للطيران، بينما كانت التوقعات طبقًا للنظريات السابقة تذهب إلى أن الحشرات لا تستطيع توليد أكثر من ثلث ما تحتاجه من القوة الرافعة، أي أن الله تعالى قد وهب الحشرات الطائرة قوةً رافعة تعادل خمسة أضعاف ما كان يظنه الإنسان ممكنًا طبقًا للنظريات العلمية إلى وقت قريب، وهي بهذه القدرات تشبه طائرة ذات محركات قوية تستطيع أن تقوم بشتى أنواع المناورات الصعبة، ومرة أخرى تجد الإنسانية نفسها متتلمذة صغيرة أمام الإبداع الإلهي العظيم حيث يرى العلماء أن هذه الظاهرة الجديدة بحاجة إلى فهم أعمق في كيفية توليد هذه الدوامات واحتمالات الإفادة منها في بعض أنواع الطيران مستقبلاً. وصدق الله العظيم القائل: {وَمَآ أُوتِيتُم مّنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً}. وما أعظم المثل الإلهي المضروب للبشرية في سورة البقرة: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الفاسقين}.

دكتور سامي سعيد حبيب

رئيس قسم هندسة الطيران جامعة الملك عبدالعزيز
———————

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s