طبيعة الإسلام تأبى العلمانية

نشأت مسألة الفصل بين الدين والدولة في النصرانيّة لظروف خاصة بها كدين، وبرجالهـا كدعاة أخطئوا الطريق في ممارساتهم الدينيّة ويرجع ظهور العلمانيّة في اعتقادي إلى ثلاثة أسباب رئيسيّة:
1- النصرانيّة كدين، هي في حقيقة أمرها ليست أكثر من نظام عقائدي ينظم علاقة المخلوقين بخالقهم، ولم تأت بنظام تشريعي جديد ينظم علاقة الناس ببعضهم البعض، ذلك أن عيسى عليه السلام قد أحالهم في المسائل التشريعية إلى التوراة، إلا أن بولس (الذي يعتقد النصارى أنه رسولهم) قد حاول أن يعمّم المسيحيّة بعرضها على غير اليهود، مخالفاً بذلك منهج عيسى عليه السلام وتوصياتــه بعدم نقل الدعوة إلى الأمم الأخرى، فرفض هؤلاء المدعوون دعوة بولس بحجّة صعوبة تشريعات التوراة، فحاول بولس أن يتغلّب على هذه الصعوبة فأبطـل العمل بتشريع التوراة وحوّل النصرانيّة إلى مجرد عقيدة ، ولهذا انتشرت النصرانيّة بين الرومـان الذين تمسّكوا بنشر تشريعاتهم الوثنيّة، وأخذوا من النصرانية الجانب الروحي فقط، وهنا أصبحت النصرانية مجرد عقيدة لا شريعة، ومجرد دين لا دولة، بمعنى أنك لا تجد فيها نظاماً سياسيّاً أو اقتصاديا أو اجتماعيا.

 

2- رجال الدين النصراني أعطوا لأنفسهم سلطات مطلقة رفعوها فوق سلطة الحكام المدنيين، حيث تدخلوا في شئونهم واعتبروا أنفسهم نوّابـاً عن الله في الأرض، ولهم الولاية العامة على عباد الله، وأوامرهم فرض واجب على الناس فهم ومن يولّونهم مقدسون، معصومون عن الخطأ ولهم وحدهم حق تفسير الكتاب المقدّس، وهم يشكلون حكومة إلهية، وقد تسبب تدخل القسس والباباوات في شئون الحكم في إثـارة النزاع ممّـا أغضب رجال الإمبراطوريّة وجعلهم ينكرون السموّ البابوي المطلق، واشتعلت الحروب بين رجال الدين ورجال الدولة ومن هنا نشأت المشكلة بين الدين والدولة.
3- نشأ صراع جديد بين الكنيسة وبين رجال العلم في عصر النهضة العلميّة في أوروبا، ذلك أن رجال الكنيسة قاموا بالتأليف في التاريـخ والجغرافيا والعلوم الطبيعيّة ووضعوا نظريات ادّعوا لها العلميّة، وصبغوها بصبغة دينيّة، وعدّوها من تعاليم الدين المسيحي وأصوله، وكلما وصل العلماء إلى نظرية جديدة وجدوا الكنيسة تعارضها بنظرّية مقدّسة لا يجوز الخروج عليها، وكانت هذه بداية الصراع المشؤوم بين الدين والعلم فقامت الكنيسة بتكفير العلماء وصادروا كتبهم واستحلّوا دماءهم وأنشئوا محاكم التفتيش، وقتلوا من قتلوا من العلماء ومنهم العالم الطبيعي (برنو).
– ولذلك فأنت تجد أن هذه الفكرة نشأت في أوروبـا لظروف خاصة لا يمكن أن تنطبق على الإسلام، فطبيعة الإسلام تأبى العلمانيّة وذلك لأسباب كثيرة أهمها:
1- أن الإسـلام في حقيقة أمره دين ودولة، عقيدة وشريعة، حيث وضع نظاماً كاملاً ومحدّداً لكل شأن من شئون الحياة: سياسيّاً: نظام الخلافة وحقوق الراعي والرعيّة وأحكام أهل الذمّة… واقتصاديّاً: الزكاة وأحكام البيوع والمضاربة وتحريم الربا… واجتماعيّاً: أحكام النكاح والطلاق والتكافل الاجتماعي والميراث… وجنائيّاً: كالحدود والقصاص والدّية… وغيرها الكثير الكثير مما لا تجده في أي ديانة أخرى.
2-الإسلام قرّر العدل والمساواة بين جميع الناس ولا عصمة لبشر إلا للأنبياء وبعد ذلك فالكل سواء، رجال الدين أم رجال الدنيا، خليفةً كان أو من عامة المسلمين، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولم يعترف بوجود طبقة ممتـازة تدعى رجال الدين لهم عصمة وقداسة مطلقة. والحكومة الإسلاميّة ليست حكومة إلهية مقدّسة معصومة عن الخطأ يحكم فيها الإمام نيابة عن الله في الأرض وله وحده حق تفسير القرآن الكريم، بل هي حكومة بشريّة مدنيّة تعمل تحت سلطان القانون الإلهي، ولا تملك الخروج عليه، فالسيادة والعصمة إنما تتمثّل في كتاب الله وسنّة رسوله وهمـا اللذان يحكمان الحاكم والمحكوم معاً.
3- لا يوجد في الإسلام صراع بين الدين والعلم بل إن الإسلام حثّ على طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة ودعا القرآن إلى العلم في أكثر من سبعمائة وخمسين آية.
4- يفرق الإسلام بين العبادات وبين العادات والمعاملات والصناعات، أما العبادات فالأصل فيها التحريم حتى يرد الدليل على مشروعيتها، فالمثبت هنا مطالب بالدليل، أي يشترط في أي عبادة أن ترد في الكتاب أو السنة بكافة تفاصيلها، أما العادات والمعاملات والصناعات فالعكس تماما، فقد أخضعها الإسلام لقواعد عامة أكسبته مرونة عملية هائلة جعلت منه ديناً صالحاً( ولا أقول خاضعاً .. فتأمل!) لكل زمان ومكان. فلا يشترط أن ترد تفاصيل تنظيم الشؤون الإدارية للدولة في الكتاب أو السنة ! أو أن يرد تفصيل لكل المخترعات أو النظريات العلمية الجائزة شرعاً !! لأن الأصل فيها الإباحة، فأي جديد منها يعرض على هذه القواعد العامة فإن خالفتها ردت، وإذ لا، فلا.
ومن هنا فليس هناك مجال للفصل بين الإسـلام والحياة ذلك أن المبررات التي أوجدت الفكرة في أوروبـا لا وجود لها في ديننا ولا تاريخنا، فلماذا نستبدل القوانين الإسلامية بالقوانين الغربيّة، لماذا نصرّ على استبعاد مصدر قوّتنا ورمز عزّتنــا .. لماذا ؟؟!!!!

 

 

الإسلام يصبغ المجتمع الذي يعتنقه بصبغته فلا يبقى مجال للتناقض بين العقيدة والحياة, بل تكون الحياة انعكاسا وترجمة للعقيدة, وإذا انتفى هذا الصراع الذي تقتات عليه العلمانية, انتفت الحاجة إليها بالكلية. إن المسلم ابنا كان أو أبا أو زوجا, تاجرا كان أو جنديا أو طبيبا, لا يجد أي حرج في أداء وظيفته في المجتمع لسبب يتعلق بتكاليف دينه, وهذا التناقض المفترض بين الواجبات الدينية والحياة الإجتماعية هو الثغرة التي تتسلل منها الأفكار العلمانية, ولما كانت الشريعة لكمالها منزهة عن مثل هذا النقص, فإن العلمانية لا تحقق بين المسلمين بعض المكاسب الجزئية, إلا في ظل الجهل والإستبداد.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s