مغالطات جدلية ….. هام الى كل مسلم يحاور مخالف

 

 

بقلم : عبد الرحمن حسن حبنكة الميدانى من كتابه كواشف زيوف
http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=4581


يقصد بالمغالطة اصطناع مقدمات مزيفة مزخرفة توهم بصحتها ، فتسوق فِكرَ من يُراد إقناعه بالباطل من حيث لا يشعر ، حتى تُوقعه في الغلط ، وهو يحسب أنه على صواب ، فيقبل الباطل الذي يساق إلى الاقتناع به ، ويظنه حقاً ، فيعتقد صوابه ، ويؤمن به ، ثمّ يدافع عنه ويبشر به .



وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة أهمها الأصول التالية :

الأصل الأول

تعميم أمرٍ خاص : والمغالطة بالتعميم الباطل تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل .

ويستطيع المضللون التأثير على جماهير الناس بهذه المغالطة ، لأن من طبيعة هذه الجماهير أن تصدّر أحكاماً تعميمية ، وأن تقبل أحكاماً تعميمية ، متى شاهدت أمثلة مطبقة على بعض أفراد العام ، وذلك في نظراتهم السريعة السطحية غير العلمية ، وهي النظرات التي ليس فيها أناة ، ولا عمق ، ولا بصيرة ، ولا تتبُّعٌ واستقصاء ، ولا منهجية برهانية .

فإذا رأوا عدداً من اللصوص ينتمون إلى قبيلة ، حكموا على أفراد القبيلة بأنهم لصوص ، كما لو رأوا حيواناً يفترس الأنعام ، إذ يحكمون على كل أفراد نوع هذا الحيوان بأنها تفترس بطبيعتها الأنعام ، ويغفلون عن نقطة مهمة وهي أنه لا يصح قياس الناس الذين يتحركون بإرادتهم على البهائم التي تتحرك بطباعها .

ويستغل المضللون هذه الطبيعة السطحية ، عند الجماهير التي لا تملك منهجية علمية في نظراتها إلى الأمور ، فيضللونهم بأحكام تعميمية باطلة .

ويكون التعميم الباطل بوجهين :

الوجه الأول : أن يكون للفظ العام تطبيقات جزئية مقبولة ومعقولة ، وفيها حق وخير ، وهي تقع ضمن دوائر وحدود خاصة .

والناس يطلقونه دون بيان حدوده الخاصة ، فهو يتردد على الألسن دون قيود .

ويستغل المفسدون المضللون هذا اللفظ بإطلاقه ، ويعطونه مداً تعميمياً ، ليكون له في نفوس الجماهير صدى عام ، يشمل مساحات لا يصح أن يشملها ، فإذا طبق على هذه المساحات الواقعة وراء الحدود المعقولة المقبولة ، كان تطبيقه باطلاً ، ونجم عنه شر وفساد .

مثل ألفاظ : “الحرية – المساواة – التقدم – الواقعية – المثالية – الرجعية – الوطنية – القومية” إلى غير ذلك من ألفاظ مطلقة .

الوجه الثاني: أن تقدم الملاحظة أو التجربة العلمية أمثلة محدودة ، جرت في أفراد العام ، كنوع أو جنس ، وهذه الأمثلة ، لا يصح بناء قاعدة كلية عامة عليها في المنهج العملي السليم .

لكن المضلين يوهمون بأن هذه الأمثلة المحدودة ، التي جرت في أفراد معدودة ، كافية لإعلان قاعدة كلية عامة ، أو قانون شامل لكل أفراد النوع أو الجنس .

ويقبل السطحيون ذلك ، لأن نزعة التعميم وتصدير الأحكام الكلية الشاملة ، أقرب إلى نفوسهم من البحث التفصيلي المتقصي ، الذي لا يسمح بإصدار أحكام تعميمية إلا بعد استقراء شامل أو ما هو قريب منه .

والمغالطة التعميمية ، أخطر مغالطة فكرية تقتات بها وتعيش عليها المذاهب الفكرية المعاصرة ، والاتجاهات المنحرفة في مختلف الميادين والمعارف التي اختلط فيها الحق بالباطل .

والتعميم في الحكم يكون في جانب الإيجاب ، ويكون في جانب السلب ، فالمعمم تعميما ًخائطاً قد يقبل المذهب كلَّه لأن بعضه حق ، وقد يرفض المذهب كله لأن بعضه باطل .

ومن التعميم الفاسد في جانب الإيجاب ، الحكم على كل مُعطيات الحضارة الغربية بالصحة ن قياساً على ما صح منها في معطيات العلوم البحتة , وعلى ما ظهر منها في المنجزات التطبيقية المادية . مع أن هذا التعميم المستند إلى هذا القياس ، تعميمٌ فاسد ، لأن القياس الذي هو دليله قياس غير صحيح ، ومبعث قبوله عند الجماهير جهلهم بأسس اكتساب المعرفة ، وثقتهم العمياء القائمة على غير أساس منطقي سليم .

إنه ليس من الضروري أن يكون من يستطيع التغلب على المصارعين في المصارعة ، ذا قدرة على التفوق على الشعراء في الشعر ، أو الأدباء في الأدب ، أو علماء الحساب والهندسة في علومهم .

كذلك ليس من الضروري ، ولا من اللازم العادي ، أن يكون المتفوق في العلوم الصناعية قد وصل إلى الحق في قضايا الأخلاق ، أو في قضايا فلسفة الوجود ، والبحثِ عما وراء الظواهر المادية ، فضلاً عن قضايا الدين ذات المصادر الربانية .

ومن التعميم الفاسد في جانب السلب رفض كل دين ، لأن بعض ما يطلق عليه اسم دين هو باطل .

وعلى هذا التعميم الفاسد اعتمد دعاة الإلحاد في محاربة الإسلام .

والمنهج الفكري الذي يجب اتباعه ، هو أن الجزم بالتعميم لا يكون إلا نتيجة استقراء تام لكل الوحدات الجزئية ، التي تدخل في العموم ، فإذا اتحد الحكم في كل الوحدات أمكن عندئذٍ إصدار حكم كلي عام عليها جميعاً .

وإلا ، فإن كان الأغلب يحمل هذا الحكم أمكن إصدار حكمٍ أغلبي ، لا حكم شامل .

وإن كان دون ذلك فالحكم يجب أن يكون بحسب الواقع .

والتعميم القياسي مقبول في قوانين الطبيعة ، بالاستناد إلى الاستقراء الناقص ، لكنه يعطي نظرية قابلة للتغيير ، ولا يعطي حقيقة نهائية . ومقبول في أحكام الشرع الاجتهادية ، لكنه يعطي ظناً راجحاً ، ولا يعطي يقيناً ، إلا في بعض الصور ، وهي التي يكون فيها القياس من باب أولى .




الأصل الثاني

تخصيص أمرٍ عام : والمغالطة هنا تنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل .

ومن أمثلة ذلك الدعوات القائمة على مزاعم التفاضل العنصري القومي بين المجموعات البشرية ، مع أن الناس جميعاً سلالة أصل واحد ، وتبرز كل الصفات الإنسانية الرفيعة والمنحطة وما بينهما ، في كل الأعراق ، والأقوام ، والألوان .

واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد ، أطلق بنو إسرائيل مزاعمهم حول امتياز العرق الإسرائيلي ، وتفضيله على سائر أولاد آدم ، ثمّ ادعوا أنهم وحدهم البشر ، وأما سائر الناس فهم من طينة أخرى مشابهة للطينة التي خلقت منها البهائم ، وقد خلقهم الله لخدمة أبنائه وأحبائه الإسرائيليين ، ولكنهم تمردوا على ما خلقوا له .

واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد ، تبنى الجرمانيون الزعم الذي صنف أعراق الناس وأقوامهم ، في سُلّم أفضليات متعدد الدرجات ، وجعل العرق الألماني أفضل الأعراق الإنسانية وأرفعها خصائص فطرية .

وانطلقت النزعات العرقية القومية بين الناس من هذا الأصل الفاسد .




الأصل الثالث

التدليس ، وهو ضم زيادات وإضافات ليست في النص أو الموضوع أو المبحث الأصلي ، مغالطة وتضليلاً .

ومن أمثلة هذا الأصل من أصول المغالطات ، طائفةٌ من صنوف التبديل التي غير بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى كتبهم المقدسة .

وقد لا تزيد الإضافة على كلمة صغيرة ، كحرف من حروف الجر ، أو النفي وقد لا تزيد الإضافة على حرف في كلمة ، ولكن هذا الحرف يغير معنى الكلمة ، وقد يقلبه إلى ضده .

إن المغالط الشيطان قد يحاول أن يقلب معنى قول الله تعالى في القرآن الكريم : ” إن الدين عند الله الإسلام ” بإضافة كلمة : “غير” قبل كلمة “الإسلام” .

ويحاول اليهود بين حين وآخر ، طبع نسخ من القرآن الكريم ، فيها بعض هذا التغيير ، لتوزيعها في شعوب مسلمة بعيدة عن عواصم العالم الإسلامي ، ومدنه التي فيها علماء وحفاظ للقرآن الكريم ، كعمق إفريقية مثلاً .

ولكن الله عزّ وجلّ يقيض لكتابه من يسارع إلى اكتشاف الزيادة ، أو التغيير ، فيهب علماء العالم الإسلامي لإتلاف هذه النسخ المزيدة تحريفاً .

ويظل كتاب الله القرآن محفوظاً بحفظ الله له ، تحقيقاً لقوله عزّ وجلّ : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

وكثر التدليس فيما روي عن الرسول من أقوال ، ولكن قيض الله لها علماء الحديث المحررين ، فكشفوا المدلس منها ، ونفوا عنها الزيوف .



الأصل الرابع

حذف ما يغير حذفه المعنى المراد ، ومنه الاقتصار على ذكر بعض النص .

وقد يكتفي المغالط المحتال بحذف كلمة أو جملة ، أو حرف من كلمة ، إذا كان ذلك يفسد دلالة النص أو يغيرها ، أو حذف شرط أو قيد في الموضوع .

وقد بلغني أن جماعة من اليهود طبعوا آلافاً من المصاحف وحاولوا توزيعها في إفريقية ، وفيها حذف كلمة : (غير) من قول الله عزّ وجلّ ، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .

ولكن اكتشف هذه اللعبة الخبيثة بعض المسلمين ، فهب أهل الغيرة ، وجمعوا نسخ هذه الطبعة ، وأحرقوها .

أما الاقتصار على ذكر بعض النص الذي هو من الحذف في الحقيقة ، لأنه قد يفسد المعنى ويغيره إلى النقيض ، فمن الحيل التي يستخدمها المستشرقون والمبشرون والشيوعيون ، لدى كتابتهم في المسائل الإسلامية ، بغرض إيقاع القارئ في مفاهيم فاسدة عن الإسلام .

فيأخذون مقطعاً من النص ، مع أنه مرتبط بسوابقه ، أو بلواحقه ، أو بهما معاً ، ارتباط الشرط بالجزاء ، أو ارتباط المطلق بقيوده ، ونحو ذلك .

ومن الأمثلة المشهورة التي يستشهد بها الناس لمثل هذا الاقتصار والاقتطاع المفسد للمعنى ، الاستشهاد بقول الله تعالى : {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} دون ذكر القيد المتصل به في السورة ، وهو قول الله تعالى : {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ }.

ومن الأمثلة ما فعله بعض المتهجمين على الإسلام ، إذ اقتطعوا من كلام الرسول جملة : ” ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا ” وأخذوا يتهمونه بأنه يحجر على الأفكار ويقيدها ويحجز حريتها ، مع أن صدر الحديث فيه قوله : ” تفكروا في خلق الله ” أو : “تفكروا في آلاء الله” ومن الحقائق أن التفكر في ذات الله مهلكة .




العنصر الخامس :

استخدام طريقة الإقناع الجدلي ، للتأثير على الناس بصحة المذهب الباطل ، أو الأفكار التي يُرادُ التضليل لها .

ويكون ذلك بتزيين مقدمات قائمة على المغالطات ، والكذب ، والتستر بشعارات التقدم العلمي ، ومنهجية البحث السليم، ومنجزات العلم والتقنيات “التكنولوجيا” ، وملء الصفحات الجدلية بثرثرات قائمة على دغدعة العواطف ، وإثارة الانفعالات ، والتظاهر الكاذب بالرغبة الشديدة في ابتغاء الحق وخير الإنسانية ، وبتخليص البشر من آلامهم ومشكلاتهم الحياتية الفردية والجماعية .

وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة ، سيأتي بعون الله بيان أهمها في الفصل الثاني من هذا الباب .




العنصر السادس :

استخدام طريقة التوجيه غير المباشر . ويكون عادة بأساليب متوارية متسترة غير صريحة ، أو فيها بعض التواري والتستر ، ومن التوجيه غير المباشر الأساليب التالية :

1- الإيحاء الخفي المتستر بموضوع غير الموضوع المقصود بالذات ، ومنه دس الأفكار المقصودة في غير مجالاتها الأصلية .

2- الإثارة نحو أمر مرغوبٍ للنفوس ، أو الدفع إلى موقف يرضي الأهواء أو الشهوات أو المطامع ، ثمّ استغلاله للتأثير على الفكرة والسيطرة على منطقه ، واستدراجه إلى الاقتناع الذاتي .

3- التوجيه عن طريق القدوة ، أو مؤثرات البيئة ، أو عن طريق الصحبة والرفقة .

4- البث العرضي الذي يخفي معه قصد التوجيه .

5- حديث المتكلم عن نفسه ، أو حديثه عن شخص غائب ، وتدخل في هذا الأسلوب الحكاية والقصة والمشهد التمثيلي …

6- تهيئة ما يلزم لدفع من يراد توجيهه ليقرأ بنفسه قراءة حرة في كتاب أو صحيفة أو مخطوطة أو نحو ذلك .

7- استغلال الأغنية والنشيد لترديد الأفكار التي يراد الإقناع بها .

إلى غير ذلك من أساليب تتفتق عنها قرائح المضلين ، فيتفادون فيها المواجهة الصريحة بالتوجيه المباشر ، الذي قد يقابل بالمعارضة والصد ، ويثير في النفوس دواعي الرفض .





العنصر السابع :

الاستدراج ، ويكون باستخدام أسلوب الخطوات المتدرجة ، التي تنحدر بالمستدرَج خطوة فخطوة حتى يسقط أخيراً في حبائل الفكرة .

وقد عرف هذا في لغة السياسة المعاصرة بأسلوب “خطوة خطوة” .

وقد أبان الله لنا في القرآن الكريم أنه من أساليب الشيطان ، إذ حذّرنا من اتباع خطواته .
أ- فقال عزّ وجلّ في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }
ب- وقال عزّ وجلّ في سورة (البقرة/2 مصحف 87 نزول):
{ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
وقال تعالى فيها أيضاً :
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} .
جـ- وقال عزّ وجلّ في سورة (النور/24 ومصحف/102 نزول):
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
إن اتباع خطوات الشيطان تستدرج المتبع إلى الإسراف في المباح ، فإلى الوقوع في المكروهات والتهاون في المندوبات ، ثمّ إلى ارتكاب الصغائر من المعاصي والمخالفات ، ثمّ إلى ارتكاب كبائر الإثم والموبقات ، ثمّ إلى الإدما عليها ونسيان الله ، ثمّ إلى الشرك أكبر الكبائر ، فالجحود والفجور الوقح .

وقد وصف الله لنا كيف استدرج الشيطان آدم وزوجه في الجنة ، حتى أوقعهما في معصية الله ، فجعلهما يأكلان من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها ، فقال عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ * }.
فدلاهما بغرور : أي أنزلهما في بئر العصية إلى قاعها ، شيئاً فشيئاً ، وهما مغروران بوساوسه وأكاذيبه ، متلبّسان بغرور من أمرهما ، يظنان أنهما سيظفران بالخلود الذي أطعمهما به ، أو بأن يكونا ملكين لهما قُدسيّة الملائكة وطهارتهم .

فاستدراجهما كان على مراحل ، وبأسلوب الخطوات المتتابعة ، وهذه هي طريقة الشيطان في الاستهواء والإغواء .

هذا عمل شيطان الجن ، لكن شياطين الإنس أكثر مكراً وأعظم خطراً ، وأشد تضليلاً ، وأشد للنفوس أسراً .




العنصر الثامن :
الإيهام بأن الفكرة قد غدت من المسلمات العلمية ، والحقائق التي لا تقبل النقض ولا النقد .

فتُعرض في العلوم على أنها من أهم المكتشفات العلمية ، ويُستشهد بها على أنها حقائق مقطوع بها ، وتُعتبر أساساً لبناء نظريات أخرى .

ولتأصيلها في أذهان الناس يوجّه النقد الشديد اللاذع ضد كل ما يناقضها ويخالفها ، مع استخدام وسائل الهز والسخرية ، والتندر بالذين يأخذون بالرأي المخالف ، واتهماهم بالرجعية ، والتخلف ، والجمود ، وعدم الفهم ، والتعصب الأعمى للقديم ، ونحو ذلك من العبارات .

ومن أمثلة ذلك قول قائلهم :
” إن نظرية التطور العضوي قد توجه البحوث العلمية في علم الحياة . ونظرية “فرويد” من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية .والماركسية أو الاشتراكية العلمية أهم نظرية شاملة صدرت في العلوم الاجتماعية والاقتصاد ” .

مع أن كل هذه التي أوهم قائلها بأنها حقائق علمية ، أو مقولات ذات أهمية كبرى في ميادين المعرفة المعاصرة .




 

العنصر التاسع:

استخدام الآداب والفنون المختلفة لتأكيد الفكرة ونشرها ، كاستخدام القصص ، والتمثيليات ، والشعر ، والتصوير ، والغناء ، والرقص التعبيري ، والنكتة الساخرة ، والمضحكات (الكوميديا) ، والرسوم التعبيرية (الكاريكاتير) ونحو ذلك .

وكل قارئ للقصص التي ندفع بها المطابع للقراء ، ولدواوين الشعر التي يصدّرها أدباء التضليل الفكري ، والإفساد الخلقي والسلوكي ، ومروجو المذاهب الضالة ، وكل مشاهد للتمثيليات التي تعرضها أجهزة نقل الصوت ، أو نقل الصوت والصورة ، يلاحظ ما تحمله هذه الآداب والفنون من ترويج لأفكارٍ ومذاهب مختلفة ، وهذه الأفكار والمذاهب تتسلل إلى نفوس الأجيال وعقولهم فتتمكن منها ، حتى تكون بمثابة عقائد راسخة ، أو أمورٍ مسلم بصحتها وسلامتها ، أو مُسلّمٍ بأن ضرورة التطور الاجتماعي تقتضيها .

وقد استخدم اليهودي الصهيوني “جان بول سارتر” قصصه وتمثيلياته ، وما برع فيه من فنون أدبية ، لبث أفكاره الفلسفية المدمّرة لكل القيم الدينية والخلقية والاجتماعية والسياسية والفكرية ، والمعروفة بالفلسفة الوجودية الملحدة ، مع ما فيها من تفاهة فكرية ، وسبح هائم في عالم “اللامعقول” فأثر في جماهير الشباب والمراهقين من مختلف الشعوب أيما أثر .

وقد جند المفسدون في الأرض كتاباً كثيرين ، لملء برامج الإذاعة والتلفزيون وصفحات الدوريات بهذا الأدب غير الأخلاقي ، بغية نشر الإباحية والأفكار والمذاهب الهدامة .

العنصر العاشر :

ستر العناصر المأجورة أو المدفوعة لوضع الفكرة أو المذهب أو الترويج لهما ونشرهما ، بمختلف أنواع الستر وصوره .

فداعي الاشتراكية مثلاً يوجّه أن يبقى في ظروف مالية واجتماعية قاسية ، تبرر نقمته على الرأسمالية ، وتبرر وضعه أو نشره للمذهب الاشتراكي أو الشيوعي ، ويُفرض عليه أن يتظاهر بكل ما يؤكد أنه غير مدفوع من قِبَل منظمة خاصة لها مصلحة بما دفعته إليه .

وقد يُستأجَرُ ذو غنى واسع لتأييد الاشتراكية أو الشيوعية ، مع تطمينه بأنه سيكون محمياً من ويلاتها ونكباتها إذا وصل الحزب الاشتراكي أو الشيوعي للسلطان ، ونفذ برنامجه الاقتصادي والاجتماعي ، وذلك ليكون تأثير صاحب الغنى الواسع هذا أكثر في الجماهير ، إذْ ترى فيه الشخص المتجرد الذي ينصر الحق ولو خالف مصلحته الخاصة ، وهذه من الحيل الشيطانية البارعة .

وإمعاناً في ستر أفراد التنظيم أو أجرائه وعملائه ، تعمد قيادة التنظيم إلى توجيه بعض المعروفين بالانتماء إليه لمقاومة ذلك العنصر الذي يُراد ستره ، ولمهاجمة أفكاره وانتقادها بصورة لا تجرح جوهر المذهب الذي يراد التبشير به وترويج مبادئه ، أو لانتقاد تصرفاته الشخصية . وبذلك تضمن المنظمة توجيه الفكرتين المتصارعتين أو المذهبين المتضادين ، ضمن الخطوط المرسومة لهما ، فتمد أحدهما بمقدار ، ثمّ تمد الآخر بمقدار ، وتقيم بينهما تمثيلية الصراع بمقدار ، ويجري كل ذلك وفق خطط مرسومة تحقق أهداف المنظمة ، نظير فعل الدول حين تفرض على جواسيسها سلوكاً معيناً .

فقد يعمل ضابط كبير في المخابرات خادماً في مطعم أو مقهى ، أو بواباً لفندق أو سائقاً لسيارة ، أو نحو ذلك .

يتبع الخاتمة حول المنهج الذي يجب اتباعه تجاه المضلين




خاتمة حول المنهج الذي يجب اتباعه تجاه المضلين :

بعد ملاحظتنا عناصر الخطة العامة للمضللين في الأرض ، وواضعي المذاهب الباطلة ، علينا أن نستبين المنهج الذي يجب اتباعه تجاه كل المذاهب والأفكار والآراء المشتملة على عناصر مناقضة أو مخالفة لما هو ثابت ويقيني في الإسلام .

وبالتأمل يستطيع العاقل الحصيف طالب الحق ، والحذِرُ من الافتتان بالباطل والانزلاق لاعتناقه ، أن يتخذ لنفسه منهجاً فيه القواعد التالية :

القاعدة الأولى : عدم قبول الأحكام التقريرية التي يقدمها مروجوها على أنها حقائق مسلمة ، وإن تسترت باسم العلم ، والكشوفات العلمية ، ومناهج البحث المنطقي السليم ، وطرائق المعرفة الحديثة ، ومنجزات الحضارة ، وما أشبه هذه الألفاظ . فالتستر بهذه الألفاظ من وسائل التزييف التي مهرها مروجو المذاهب الضالة .

القاعدة الثانية : الحذر من التأثر بالأقوال المزخرفة المنمقة ، أو المرتبة ترتيباً متناسقاً يوحي بسلامتها من الزيف .

القاعدة الثالثة : الحذر من قبول كل المذاهب تأثراً بكثرة الصحيح المعروض فيه ، فربّ ألف فكرة صحيحة تفسدها فكرة باطلة تقع منها موقع الجذر ، أو أساس البناء وقاعدته الأولى .
وكم سقط أذكياء في فخ أصحاب الحيل من شياطين واضعي المذاهب الضالة ، تأثراً بأفكار صحيحة كثيرة عُرضت عليهم ، حتى إذا سئموا من شدة المراقبة ، وجاءتهم الغفلة ، أمرَّ الشيطان الفكرة الباطلة بطريقة متسللة دون أن تثير ضجةً ولا انتباهاً ، وهم عندئذ يقبلونها دون محاكمة ولا نظر .

يضاف إلى ذلك أن كثرة الصحيح تستدرج الأنفس إلى الثقة والطمأنينة ، ومع الثقة والطمأنينة يكثر التسليم دون بحث ولا نظر ، ودون إجهادٍ للذهن بفحص كلّ جُزَيئَة لتمييز الحق من الباطل .

القاعدة الرابعة : الحذر من المغالطات التي قد تشتمل عليها الأدلة المقدمة لإثبات المذهب الوافد ، وتوجيه الانتباه من الدرجة القصوى لأصول المغالطات التي يصطنعها المضللون المغالطون للإقناع بمذاهبهم وآرائهم .

القاعدة الخامسة : اليقظة التامة لدى فحص الأفكار ومناقشتها ، ويكون ذلك بتجزئة الأفكار إلى عناصرها ، والبحث عن جذورها ، وعدم قبولها جملة واحدة ، أو رفضها جملة واحدة .
وكم من أخطاء علمية وقع فيها باحثون ، بسبب عدم تفاصُل عناصر الأفكار في أذهانهم ، وعدم تمايزها ، فقد يعطي أحدهم بعضها حكم الآخر مع أن له حكماً غير حكمه ، لمخالفته له في الحقيقة ، أو في كثير من الصفات .

ومن هنا تأتي تعميمات فاسدات ، يظهر زيفها متى تمايزت حقائق الأشياء في الذهن ، وتفاصلت عن بعضها بهوياتها الخاصة التي لها أحكام خاصة .

فعلى الباحث أن يفصّل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره ، ووحداته الجزئية ، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي ، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما انتهى إليه بحثه في ذلك العنصر ، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر ، ولا تغرنه كثرة عناصر الصواب ، فقد يأتي عنصر واحد باطل فاسد ، فيكون سبباً في إفساد نظرية الموضوع كله ، ويكون هذا العنصر بمثابة السم في الدسم ، بالنسبة إلى جملة المذهب ، أو الآراء المعروضة .

Advertisements

One comment on “مغالطات جدلية ….. هام الى كل مسلم يحاور مخالف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s