الحوار المتمدن

 

إن ملكات الكائن الإنساني كلها محدودة تماما ككيانه في جملته؛ غير أن في قرارة كيانه النفسي تستقر فكرة غريبة عن محدوديته ، حيث تجاوز إمكاناته ، وهي فكرة الكمال المطلق. وهي الفكرة المثالية التي تقوده نحو الدنو ارتقاء واقترابا من الله. وبالنظر إلى محدودية ملكات الكيان البشري.

وسيكون من تكرار الحقائق المألوفة المشهودة أن نقول إن ملكة السمع والإبصار لا تطال كل الأصوات ، ولا تبصر كل الموضوعات، بل يند عنها أكثر مما يتناوله السمع أو يحيط به النظر… وكذلك الشأن بالنسبة لباقي ملكات الحس .
لكن إذا كانت محدودية الحس وقصر إمكانياته أمرا لا يناقش فيه اختلافا ، بل لا يجادل فيه حتى مماحكة وعنادا ، فإن الوعي البشري قلما ينتبه إلى محدودية إمكانية أداته العاقلة. لذا تجد النظر الفلسفي قد انطلق منذ تأسيسه واثقا من قدرة اللوغوس (بمدلوله كجوهر مفكر) على عقلنة الوجود وتفسيره، والبت فيما وراءه من غيوب.ولم يتم التواضع والاعتراف بمحدودية الإمكان العقلي إلا بعد قرون من ممارسة التفكير الميتافيزيقي القائم على إطلاق العقل إلى الماوراء.
وهنا يصح القول إن حقل الفكر الديني بمجاله الماورائي هو الذي أظهر محدودية فعل التعقل.
بالنظر إلى تاريخنا الفكري نلقى توجيها نبويا لملكة التفكير العقلي ، وتحديدا لمجال اشتغالها (في حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله .؛ وفي حديث محمد بن عبيد عن الأعمش عن عمرو بن مرة قال مر النبي(ص) على قوم يتفكرون فقال تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق) ؛وفي حديث بن عباس : إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال النبي (ص) ” تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره “).
لكن هنا يجوز الاستفهام : لماذا هذا التوجيه النبوي للحد من إطلاق التفكير في مبحث الماوراء ؟
هل هو قيد لحرية التفكير ؟ ومنع لطلاقة النظر وفعل السؤال؟ أم أنه حفظ لطاقة العقل من أن تستهلك في غير مجال إمكان إثمارها الفعلي؟

إن الدلالة الإيمانية لمحدودية العقل هو احتياج هذا العقل. وهو الاحتياج الذي يؤكد ضرورة وحي السماء الذي هو وحده القادر على أن يمنح الكائن البشري إجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي يرتهن بجوابها استقرار القلب واطمئنان النفس. ومن هنا فالحديث النبوي ترشيد منهجي للتفكير.

لكن في المقابل نجد أن الكثير من الفلسفات المعاصرة ستستثمر فكرة محدودية العقل وعدم إمكان بته في شأن مبحث مابعد الطبيعة لتسفيه الأديان . لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو : هل منع هذا النقد المعرفي المؤكد على محدودية العقل نزوعَه نحو الماوراء؟ هل استطاعت الفلسفة الوضعية بتسفيهها لمبحث ما بعد الطبيعة أن تحد من تعلق الإنسان بأسئلة الوجود الكبرى؟هل استطاع العقل الفلسفي المادي بنزوعه الإلحادي أن يطفئ جوعة الإيمان في النفس البشرية؟
إن البديل الذي قدمته الفلسفة المادية هو الإيقاع بالوعي في عدمية المعنى ، بسبب من تجاهلها للأساس الديني القادر وحده على إعطاء دلالة الوجود.

 

بقلم الطيب ابو عزة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s