أوهام الناسخ والمنسوخ

أوهام الناسخ والمنسوخ

لقد دَخَلَتْ مسألةُ الناسِخِ والمنسوخِ إلى الفكرِ الإسلاميِّ، بعدَ وفاةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم بفترةٍ ليستْ قليلةً نسبيًّا، ولكنّها معَ الزمنِ، ومع اتّباعِ منهجِ التقليدِ الذي غَرِقَ به الكثيرون من مفسّري القرآنِ الكريم، ومن مؤطِّري أساسيّاتِ الفكرِ الإسلاميِّ، والفقهِ الإسلاميِّ، بدأتْ هذه المسألةُ تأخُذُ إطارًا مقدّسًا، هو في حقيقتِهِ تاريخٌ حلَّ مع الزمنِ مكانَ دلالاتِ كتابِ اللهِ تعالى..

ورسولُ اللهِ صلى الله علي وسلم لم يُحدّدْ أبدًا هذه المسألةَ.. والدارسُ بتجرّدِ الواعي لما يقرأ، يَستنبطُ هذه الحقيقةَ، من خِلافاتِ المفسّرين والفقهاءِ حولَ تحديدِ الآياتِ الناسِخةِ من المنسوخَةِ.. فالإجماعُ المزعومُ في مسألةِِ الناسِخِ والمنسوخِ، هو شبهُ إجماعٍ، وصوريٌّ، حيث تتكشّفُ هذه الحقيقةُ حينما نرى أنّ الآيةَ المنسوخَةَ عند أحدِهِم ناسخةٌ عندَ الآخر، وليستْ ناسخةً ولا منسوخَةً عندَ الثالث.. فليس من المعقولِ أن يكونَ انتماءُ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى إلى ساحةِ التطبيقِ والعملِ بها، خاضعًا لأمزجةِ البشرِ وتصوّراتِهم..

.. إنّ النسخَ كما توهّموه هو –باختصارٍ شديد– إزالةُ حُكْمٍ أمَرَ اللهُ تعالى به (الحُكْم المنسوخ)، بحكمٍ آخر بدلاً منه (الحُكْم الناسِخ)، أي إلغاءُ الحُكْمِ المنسوخِ.. وقد صنّفوا الناسِخَ والمنسوخَ على ثلاثةِ أضرب:

(1)– ما نُسِخَ حُكمُهُ وخطُّهُ، فقالوا –على سبيلِ المثالِ– أُنزِلَتْ سورةٌ تعدلُ سورةَ التوبةِ ثمّ نُسِخَت..

(2)– ما نُسِخ خطُّهُ وبقيَ حُكْمُهُ، فقالوا –على سبيلِ المثالِ– أُنزلت آيةُ الرجمِ ثمّ نُسِخَ خطُّها، وبقيَ حُكْمُها، وقد استدلّوا على ذلك ببعضِ الأحاديث، نختارُ منها الحديثَ التالي في موطّأ مالك
((والذي نفسي بيده لولا أن يقولَ الناسُ زاد عُمَرُ بن الخطّابِ في كتابِ اللهِ تعالى لكتبتها، الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتّة، فإنّا قد قرأناها))..

(3)– ما نُسِخَ حُكْمُهُ وبقيَ خطُّهُ، وهو آياتٌ كثيرةٌ نتلوها في كتابِ اللهِ تعالى، فهموها فهمًا خاطئًا متناقضًا مع آياتٍ أُخرى، فزعموا نَسْخَها، وسنتعرّضُ إلى أكثرَ من مثالٍ على هذا الضربِ من الناسِخِ والمنسوخِ المزعوم..

وذهبوا أيضًا إلى أنّ حديثَ الآحادِ يمكنُهُ نسخَ حُكْمِ النصِّ القرآنيِّ، وقد قالوا –على سبيلِ المثالِ– إنّ الحديثَ التالي الواردَ في سُننِ الترمذي:
((إنّ الله قد أعطى لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيّة لوارث))، ينسَخُ حُكْمَ الآيةِ الكريمةِ..
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: 180)..

إنّ النسخَ كما زُعِمَ يقتضي الحقائقَ التاليةَ، سواءٌ عَلِمَ بذلك من أغرقَ نفسَه في مُستنقعِ هذه المسألةِ، أم لم يعلمْ:
(1)– الضربُ الأوّلُ (ما نُسِخَ خطُّهُ وحكمُهُ)، والضربُ الثاني (ما نُسِخَ خطُّهُ وبقي حُكمُهُ)، يقتضيان أنّ القرآنَ الكريمَ الذي أُنزِلَ دفعةً واحدةً من اللوحِ المحفوظِ إلى السماءِ الدنيا..
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر: 1)
والذي –هو ذاتُهُ دون زيادةٍ أو نقصان– نَزَلَ على الرسولِ صلى الله عليه وسلم على مدارِ (23) عامًا، أكبرُ حجمًا من القرآنِ الموجودِ بين أيدينا.. وفي ذلك قفزٌ فوقَ حقيقةِ القرآنِ الكريمِ المصوغِ صياغةً مطلقةً، بحيث يقتضي حذفُ حرفٍ منها، أو زيادةُ حرفٍ، أو تبديلُ حرفٍ بحرفٍ، الخروجَ على هذا الإطلاق..
والحديثُ الذي يحتجّون به (حديث الرجم)، لا يمكنُ أنْ يكونَ نصًّا قرآنيًّا ولا بأيِّ شكلٍ من الأشكال، بدليلِ قولِ عُمَر رضي الله تعالى عنه (لولا أن يقولَ الناسُ زاد عُمَرُ بن الخطّابِ في كتابِ اللهِ لكتبتها)، فلو كانتْ من كتابِ اللهِ تعالى لما خافَ عُمَر رضي اللهُ تعالى عنه من كتابتِها، فما منعَهُ من كتابتِها هو أنّها ليستْ من كتابِ اللهِ تعالى..

إنّ كلمةَ شيخٍ تعني مرحلةً من العُمرِ، بينما الذي يُرجَمُ هو المُحصَن.. فكلمةُ شيخٍ كما يؤكِّدُ اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم، تعني –حصرًا– المتقدِّمَ في العُمرِ..
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر: 67)..

وفوقَ ذلك فإنّ كلَّ كلمةٍ من كلماتِ القرآنِ الكريمِ تَرِدُ بعددِ مرّاتٍ محسوبٍ بحكمةٍ إلهيّةٍ مطلقةٍ، كما رأينا في النظريّةِ الأُولى (المعجزة)، بحيث يستحيلُ زيادةُ كلمةٍ، أو حذفُهُا، أو تبديلُ كلمةٍ بكلمةٍ.. وكلماتُ الحديثِ المنسوبِ إلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما…….)، لا يُمكن إضافتُها إلى كتابِ اللهِ تعالى، لأنّ ذلكَ سيؤدّي إلى اختلالٍ في مجموعِ ورود ِكلٍّ من هذه الكلماتِ في القرآنِ الكريم، فعلى سبيلِ المثالِ تَرِدُ كلمةُ شيخٍ ومشتقّاتُها في كتابِ اللهِ تعالى أربعَ مرّاتٍ، وذلك بورودٍ مُناظرٍ تمامًا لكلمةِ طفلٍ ومشتقّاتِها المناظرةِ لها في المعنى، حيثُ تَرِدُ كلمةُ طفلٍ ومشتقّاتُها في كتابِ اللهِ تعالى أربعَ مرّاتٍ أيضًا.. وبالتالي فإنّ إضافةَ العبارةِ (الشيخ والشيخة) من الحديثِ إلى القرآنِ الكريمِ، ستؤدّي إلى اختلالٍ في معادلةِ التوازنِ المتعلّقةِ بهذه المسألةِ، وكذلك الأمرُ بالنسبةِ لكلِّ كلمةٍ من كلماتِ هذا الحديث..

(2)– الضربُ الثالثُ (ما نُسِخَ حُكْمُهُ وبقيَ خَطُّهُ)، يقتضي:
أ– تعارضًا بين دلالاتِ النصوصِ القرآنيّةِ، لدرجةٍ يستحيلُ فيها التوفيقُ بين هذه الدلالات، وهذا يُناقضُ تمامًا قولَ اللهِ تعالى..
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: 82)
.. فاللهُ تعالى يقولُ لنا: لا يُوجَدُ اختلافٌ في القرآنِ الكريم، ويأتي زاعمو مسألةِ الناسِخِ والمنسوخِ ليقولوا لنا: يُوجَدُ تناقضٌ في القرآنِ الكريم، والتناقضُ الذي تصوّروه –عَبرَ تفسيرِهِم للآياتِ الناسخةِ والمنسوخةِ حسب زعمِهِم– هو قمّةُ الاختلاف، فالحُكْمُ الناسِخُ –حسْبَ زعمِهِم– يختلفُ مع الحكمِ المنسوخِ لدرجةِ التناقضِ، وبالتالي الإلغاءِ..

ب– ويقتضي أيضًا أنّ بعضَ آياتِ كتابِ اللهِ تعالى (المنسوخة) خَضَعَت للزمانِ والمكانِ، فصلاحيّتُها –كما يُزعَم في مسألة ِالناسخِ والمنسوخِ– بقيت لفتراتٍ زمنيّةٍ محددّةٍ، وهذا يؤدّي إلى كونِ القرآنِ الكريمِ مخلوقًا، كما زعمت المعتزلةُ، فكلُّ ما خضعَ لقانونِ الزمانِ والمكانِ مخلوقٌ..

ج– ويقتضي أيضًا أنّ بعضَ آياتِ كتابِ اللهِ تعالى هي لمجرّدِ التلاوةِ والتبريك، وأنّها مُفرَغَةٌ من صلاحيّةِ استمرارِ الحُكْمِ، ويُحظَرُ علينا اتّباعُ أحكامِها.. وهذا يُناقضُ بشكلٍ صريحٍ دلالاتِ الآيةِ الكريمةِ التاليةِ..
(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3)
.. فاللهُ تعالى يقولُ لنا في هذه الآيةِ الكريمةِ (وغيرِها): إنّ كلّ ما أُنزِلَ إلينا من ربِّنا له ساحةُ اتّباعٍ في كلِّ زمانٍ ومكان، بدليلِ كلمةِ (مَا) التي تفيدُ الإطلاقَ
(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)
.. فاللهُ تعالى يأمُرُنا باتّباعِ دلالاتِ كلِّ عبارةٍ قرآنيّة.. ويأتي زاعمو مسألةِ الناسِخِ والمنسوخِ ليقولوا لنا: هناك بعضُ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى، يُحظَرُ علينا اتّباعُها، لأنّها –حسْبَ زعمِهم– منسوخةٌ..

د– بما أنّه لا يُوجَدُ نصٌّ قرآنيٌّ (ولا حديثٌ) يُحدّدُ الآياتِ المنسوخَةَ والآياتِ الناسِخَةَ، لذلك فالمسألةُ اجتهاديّةٌ، وبالتالي لا يُمكنُ إنهاءُ هذه المسألة، لأنّ الاجتهادَ مفتوحٌ، وبالتالي فهذه المسألةُ بابٌ يدخلُ منه كلُّ عابثٍ يريدُ تقزيمَ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى..

(3)– قولُهُم بأنّ الحديثَ يحملُ إمكانيّةَ نسخِ القرآنِ الكريمِ، يؤدّي إلى نزعِ هيبةِ القرآنِ الكريم في قلوبِ البشرِ الذين سيصدّقون أنّ الحديثَ ينسخُ القرآنَ الكريم.. فما دام تطبيقُ حدِّ الزنا يحتاجُ إلى أربعةِ شهودٍ، فكيف إذن يَنسَخُ حديثُ الآحادِ نصًّا قرآنيًّا؟!!!!!..
.. وما يجب أن نعلمَهُ أنّ السببَ الأوّلَ في زَعْمِ هذه المسألةِ هو إدراكُ دلالاتِ بعضِ آياتِ كتابِ اللهِ تعالى بشكلٍ خاطئ، ممّا صوّرَ لهم تناقضًا مع دلالاتِ آياتٍ أُخرى، فلم يجدوا أمامَهم إلاّ الزعمَ بنسخِ بعضِ هذه الآيات..

ويحتجّون (*) على مسألةِ الناسِخِ والمنسوخِ بالآيةِ الكريمة..
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 106)
.. معَ العلمِ أنّ كلمةَ آيةٍ تعني حُكْمًَا، ولا تعني مجموعةَ كلماتٍ قرآنيّةٍ بين فاصلتين، وأكبرُ دليلٍ على ذلك هو قولُهُ تعالى..
(سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النور: 1)..
والحُكْمُ المنسوخُ المعنيُّ في هذه الآيةِ التي يحتجّون بها، هو حُكمٌ سابقٌ لنزول القرآنِ الكريمِ، سواءٌ من أحكامِ أهلِ الكتاب، أم الأعرافِ الاجتماعيّةِ التي كانت سائدةً، وما يؤكّد ذلك هو الآيةُ الكريمةُ السابقةُ مباشرةً لهذه الآيةِ..
(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 105 – 106)..
فالذين كفروا من أهلِ الكتابِ، والمشركون، لا يعنيهم أمرُ نسخِ آيةٍ قرآنيّةٍ لآيةٍ قرآنيّة، لأنّهم لا يؤمنون أصلاً بالقرآنِ الكريم، وما يعنيهم هو نسخُ أحكامِ القرآنِ الكريمِ لأحكامِهم التي اعتادوا عليها.. وإذا كان النسخُ المعنيُّ هو نسخُ آيةٍ قرآنيّةٍ لأُخرى –كما يزعمون– فلماذا قال الله تعالى (أَوْ مِثْلِهَا)؟!!..
وحتى لا نستهلكَ حديثَنا عن هذه المسألةِ نظريًا، لنخترْ بعضَ الآياتِ التي زعموا نسخَها، ولنضعْ دلالاتِها في معيارِ المنهجِ السليمِ لتدبّرِ كتابِ اللهِ تعالى.. حين ذلك سنرى أنّ مسألةَ الناسِخِ والمنسوخِ سببُها عدمُ الإدراكِ الحقيقيِّ لدلالاتِ كتابِ اللهِ تعالى..

إنّ من أكثرِ المسائلِ التي يحتجّون بها في مسألةِ الناسخِ والمنسوخ، هي مسألةُ الخمرِ، فقالوا إنّ الصورةَ القرآنيّةَ
(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) (البقرة: من الآية 219)
منسوخةٌ، لأنّها –حسب زعمِهم– تُبيحُ شُربَ الخمرِ، وقد بيّنت في النظريّةِ الثالثةِ (الحقّ المطلق) أنّ هذه الصورةَ القرآنيّةَ تُحرّمُ الخمرَ، وذلك بالتكاملِ مع الصورةِ القرآنيّةِ التاليةِ
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ) (الأعراف: من الآية 33)..
فاللهُ تعالى يقولُ في الصورةِ القرآنيّةِ الأولى: إنّ الخمرَ فيه إثمٌ كبيرٌ، ويقولُ في الصورةِ القرآنيّةِ الثانية: إنّ الإثمَ حرامٌ.. وهكذا يكونُ الخمرُ محرّمًا حرمةً كبيرةً، هذا ما يقولُهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم.. وقد بيّنتُ في النظريّةِ الخامسةِ (إحدى الكُبَر) من خلالِ معيارٍ رقميٍّ لا يعرفُ الكذبَ والخداع، أنّ هاتين الصورتين القرآنيّتين متكاملتان في المعنى والدلالات، في مسألةٍ واحدةٍ، هي مسألةُ تحريمِ الخمرِ بصيغةِ التحريم.. فقد تبيّنَ مَعَنا أن مجموعَ القيمِ العدديّةِ للحروفِ المرسومةِ (حسب الرسم العثماني) لهاتين الصورتين من المضاعفاتِ التامّةِ للعددِ (19) دون زيادةٍ أو نقصان..
(يَسْلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنفِعُ لِلنَّاسِ) = 302 (*)
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ) = 287 302 + 287 = 589 = 19 × 31

وقالوا أيضًا إنّ الصورةَ القرآنيّةَ التاليةَ منسوخةٌ..
(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء: من الآية 43)
فزعموا أنّها تحملُ حُكمًا بشربِ الخمرِ شريطةَ عدمِ حصولِ السكرِ أثناءَ الصلاة.. وقد بيّنتُ أنّ السكرَ المعنيَّ في هذه الصورةِ القرآنيّةِ، بل وفي القرآنِ الكريمِ بشكلٍ عامٍّ، هو سدُّ منافذِ الإدراكِ بحيث لا يعلمُ الإنسانُ ما يقولُ، وهذا ما تنطقُ به العبارةُ القرآنيّةُ
(حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)
فكلُّ من لا يعلمُ ما يقولُ هو في حالةِ سُكارى، والصورُ القرآنيّةُ التاليةُ تؤكّدُ هذه الحقيقة..
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر: 14- 15)
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر: 72)
(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج: 2)
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (قّ: 19)
وممّا يؤكّدُ أنّ السكرَ المعنيَّ في الصورةِ التي زعموا نسخَها هو عدمُ الطمأنينةِ وعدمُ علمِ الإنسانِ لما يقول، هو التكاملُ بين هذه الصورةِ وبين الصورةِ القرآنيّةِ التالية، في معيارِ مُعجزةِ إحدى الكُبَر [معجزة العدد (19)]..
(لا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) = 258
(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية 103) = 350
258 + 350 = 608 = 19 × 32

وقالوا أيضًا إنّ الآيةَ الكريمةَ التاليةَ منسوخةٌ..
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: 240)
فتوهّموا أنّ هذه الآيةَ الكريمةَ تحملُ حُكمَ عدّةِ المُتَوفَّى عنها زوجُها لسنةٍ كاملةٍ، وقالوا نسختها الآيةُ الكريمةُ التاليةُ..
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: 234)..
وقد بيّنتُ في النظريّةِ الثالثةِ (الحقّ المطلق) أنّ الآيةَ المزعومُ نسخُها هي آيةٌ تحملُ حُكمًا يُوصي به اللهُ تعالى وصيّةً للمتوفّى عنها زوجُها، وبحيث يكونُ لها الخيارُ في الأخذِ بهذا الحكمِ، بأن تبقى في بيتِ زوجِها (المتوفَّى) حولاً كاملاً تتمتّعُ بحقِّ النفقةِ والسكنِ، إضافةً إلى حقِّها في الميراثِ، ذلك الحقِّ المبيَّنِ في آياتٍ أُخرى، ولها الحقّ في عدمِ الأخذِ بهذا الحكم، فإنْ هي خرجَتْ واستغنتْ عن هذا الحقّ، فلا جُناحَ في ذلك، وهذا الحكمُ (سواءٌ عملت به أم لم تعمل) صالحٌ لكلّ زمانٍ ومكان..
بينما الآية التي زعموا أنّها ناسخةٌ، هي التي تحملُ حُكمَ عدّةِ المتوفّى عنها زوجُها..
وهكذا تكونُ المرأةُ المتوفّى عنها زوجُها واقعةً بين حُكمين، حُكْمٍ لها، تصوّرُهُ الآيةُ الكريمةُ التي زعموا أنّها منسوخةٌ، وحُكْمٍ عليها تصوّره الآيةُ التي زعموا أنّها ناسخةٌ، وبالتالي فالآيتان متكاملتان في تصويرِ حُكْمِ المتوفّى عنها زوجُها.. ولذلك فقد بيّنتُ في النظريّةِ الخامسةِ (إحدى الكُبَر) أنّ هذا التكاملَ تُصدّقه معجزةُ إحدى الكُبَر.. فمجموعُ القيمِ العدديّةِ للحروفِ المرسومةِ في هاتين الآيتين –وفق الأبجديّةِ القرآنيّةِ المكتشفةِ– من المضاعفاتِ التامّةِ للعددِ (19) دون زيادةٍ أو نقصان..
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) = 899
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمْ مَتَعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) = 887
899 + 887 = 1786 = 19 × 94

وقالوا أيضًا: إنّ الآيةَ التاليةَ تحملُ حُكْمَ الزنا للمحصنِ ولغيرِ المحصن..
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (النساء: 15)..
ثمّ –حسب زعمهم– نُسِخ هذا الحكم بالآية التالية لها مباشرة..
(وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء: 16)..
ثمّ نُسخ ذلك بالجلد لغير المحصن والرجم للمحصن..
وقد بيّنتُ في النظريّةِ الثالثةِ (الحقّ المطلق) أنّ الفاحشةَ المعنيّةَ –هنا– هي ما دون الزنا، فكلُّ زناً فاحشةٌ، وليس كلُّ فاحشةٍ زنًا، وبالتالي فالآيةُ الأولى لا تحملُ حُكمَ حدِّ الإتيان بهذه الفاحشةِ، إنّما تحملُ حُكماً لعزلِ اللاتي يأتين الفاحشةَ (التي هي دون الزنا) في المجتمع، حتى لا تشيعَ الفاحشةُ، وإنّ السبيلَ للخروج من هذه العزلةِ هو أنْ تُصبِحَ (من تأتي هذه الفاحشةَ التي هي دون الزنا) سليمةَ السلوكِ، وصالحةً في المجتمع
(أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (1)..
وهكذا.. فقد بيّنا أنّ هذه الآيةَ تحملُ حُكماً لمسألةٍ كاملةٍ.. وتأتي معجزةُ إحدى الكُبَر لُتصدّقَ ذلك، بمعيارٍ رقميٍّ لا يعرفَ الكذبَ والخداع..
(وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّيهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)= 722 = 19 × 19 × 2
وبيّنتُ أنّ الآيةَ الثانيةَ، هي التي تحملُ حُكمَ إتيانِ هذه الفاحشةِ (التي هي دون الزنا)، فهذا الحكمُ وصفَهُ اللهُ تعالى بقولِهِ (فَآذُوهُمَا)، ليتركَهُ مفتوحًا لاجتهادِ القاضي، حسبَ درجةِ هذه الفاحشةِ، وحسبَ عصرِها.. ولو عُدنا إلى كتابِ اللهِ تعالى لرأينا أنّ حُكْمَ إتيانِ هذه الفاحشةِ يُوصَفُ في كتابِ اللهِ تعالى بهذه الآيةِ، وبصورةٍ قرآنيّةٍ من الآيةٍ (25) من سورةِ النساء.. وتأتي معجزةُ إحدى الكُبر لتُصدّقَ هذا التكاملَ في المعنى والدلالات، بل وعبرَ مجموعٍ عدديٍّ هو ذاتُهُ المجموعُ العدديُّ للآيةِ (15) من سورةِ النساء..
(وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً) = 405
(فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ) (2) (النساء: من الآية25) = 317
405 + 317 = 722 = 19 × 19 × 2

وقالوا أيضًا إنّ الآيةَ الكريمةَ التاليةَ منسوخةٌ..
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَيكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المجادلة: 12) = 683
وقالوا نسختها الآيةُ الكريمةُ التاليةُ لها مباشرةً في كتابِ اللهِ تعالى..
(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَيكُمْ صَدَقَتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المجادلة: 13) = 805
وقد بيّنتُ في النظريّةِ الثالثةِ (الحقّ المطلق) أنّ الآيةَ الأولى تخاطِبُ المؤمنينَ الذين لا يُشفقونَ من تقديمِ هذه الصدقة، بأنّ تقديمَ هذه الصدقةِ هو خيرٌ وطهارةٌ لهم، وإنّهم إن لم يجدوا ما يقدّمونَهُ فإنّ الله تعالى غفورٌ رحيم.. والآيةُ الثانيةُ تُخاطب الذين يُشفقونَ بُخلاً وخَوفًا من تقديمِ هذه الصدقة، بأنّهم إن لم يقدّموا هذه الصدقةَ، فإنّ اللهَ تعالى يتوبُ عليهم إنْ أقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ وأطاعوا اللهَ ورسولَه..
وبالعودةِ إلى القرآنِ الكريمِ نرى أنّ هاتين الآيتين متكاملتان مع الآيتين التاليتين، تكاملاً تصدّقُهُ معجزةُ إحدى الكُبَر..
(يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلا تَتَنَجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المجادلة: 9) = 651
(إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المجادلة: 10) = 464
651 + 464 + 683 + 805 = 2603 = 19 × 137

وفي النصِّ القرآنيِّ التالي ..
(يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 64) = 196
(يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (الأنفال: 65) = 691
(الْنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ) (الأنفال: 66) = 671

قالوا إنّ الآيةَ الثالثةَ ناسخةٌ للآيةِ الثانية.. وبالنظرِ إلى هاتين الآيتين نرى أنّهما متكاملتان مع الآيةِ الأولى في مسألةٍ واحدة، وقد بيّنتُ في النظريّةِ الرابعةِ (إحدى الكُبَر) أنّ الآيةَ الثانيةَ –التي زعموا نسخَها– تُبيّنُ النسبةَ المطلوبَةَ من المؤمنِ المؤيَّدِ بمددٍ من اللهِ تعالى، وذلك في مواجهتِهِ للكفّار، وأنّ الآيةَ الثالثةَ تُبيّنُ الحدَّ الأدنى لهذه النسبةِ عندما يكونُ المؤمنونَ ضعافًا..
وتأتي مُعجزةُ إحدى الكُبَر لتصدّقَ هذا التكاملَ في المعنى والدلالاتِ بين الآياتِ الكريمةِ الثلاث..
196 + 691 + 671 = 1558 = 19 × 82

وقالوا أيضًا إنّ الصورةَ القرآنيّةَ التاليةَ منسوخةٌ..
(وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) (البقرة: من الآية 284) = 464
وزعموا أنّ الصورةَ القرآنيّةَ التاليةَ قد نسختها..
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: من الآية 286) = 277
.. وقد بيّنتُ في النظريّةِ الخامسةِ (إحدى الكُبَر) أنّ هاتين الصورتين القرآنيّتين متكاملتان في مسألةٍ واحدةٍ.. فالصورةُ الأولى تصوِّرُ لنا حِسابَ اللهِ تعالى في الآخرةِ، سواءٌ لما نبديهِ ممّا في أنفُسِنا أو لما نخفيه، والصورةُ الثانيةُ تُبيّنُ لنا تكليفَ اللهِ تعالى لنا في الدنيا، والذي يكونُ حسبَ وُسعِ أنفُسِنا، وبالتالي ستكسبُ نفوسُنا من الأجرِ، وتكتسبُ من الإثمِ –سواءٌ فيما نبديه أو نُخفيه– ضمنَ إطارِ ساحةِ تكليفِ اللهِ تعالى لنا..
هذا التكاملُ في المعنى والدلالاتِ تصدِّقُه مُعجزةُ إحدى الكُبَر..
464 + 277 = 741 = 19 × 39

وزعموا أيضًا نسخَ الصورةِ القرآنيّةِ التالية..
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) (البقرة: من الآية 178) = 481
حيثُ توهَّموا أنّها تحملُ حُكمًا بقتل حرٍّ من الطرفِ الآخرِ إذا كان المقتولُ حُرًّا، مهما كان القاتلُ، حرًّا أم عبدًا أم امرأةً، وحُكمًا بقتلِ عبدٍ من الطرفِ الآخرِ إذا كان المقتولُ عبدًا، مهما كان القاتلُ، وحُكمًا بقتلِ امرأةٍ من الطرفِ الآخرِ إذا كان المقتولُ امرأةً، مهما كان القاتل..
وقالوا نسختها الآيةُ الكريمةُ التالية..
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ) (المائدة: 45) = 906
وقد بيّنتُ في النظريّةِ الثالثةِ (الحقّ المطلق) أنّ هاتين الصورتين القرآنيّتين متكاملتان في مسألةٍ واحدة، وأنّ العبارةَ القرآنيّةَ (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) تعني إذا كان القاتلُ حُرًا فاقتلوا هذا الحرَّ ذاتَه، فكلمتا الحرِّ في هذه الصورةِ القرآنيّةِ معرّفتان بأل التعريف، وتشيران إلى الشخصِ ذاتِهِ.. وكذلك الأمرُ بالنسبةِ للعبارةِ القرآنيّةِ (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)، وكذلك الأمرُ بالنسبةِ للعبارةِ القرآنيّةِ (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى)، فالقاتِلُ –في كلِّ الحالات– يُقتَل هو ذاتُهُ، وهذا ما تؤكّدُهُ الآيةُ الكريمةُ التي زعموا أنّها ناسخةٌ..
وتأتي معجزةُ إحدى الكُبَر لتصدّقَ هذا التكاملَ عبر معيارٍ رقميٍّ لا يعرفُ الكذبَ والخداع..
481 + 906 = 1387 = 19 × 73

ولا نُريدُ الإطالةَ، فقد بيّنتُ في النظريّتين الثالثةِ والخامسةِ هذه المسألةَ من أساسِها، فما يجبُ أنْ نعلمَهُ أنّ الناسخَ والمنسوخَ كان نتيجةَ عدمِ الوقوفِ على حقيقةِ دلالاتِ الصورِ القرآنيّةِ، وبالتالي نتيجةَ توهّمِ اختلافٍ بين هذه الدلالات، فما كان أمامَهم إلاّ نسخُ بعضِ آياتِ كتابِ اللهِ تعالى، فحيثما تُوجَدُ آياتٌ يُزعمُ نسخُها، يُوجَدُ فهمٌ خاطئٌ لدلالاتِ هذه الآياتِ الكريمة..

ويذهبون في تلبيسِهِم على حقيقةِ القرآنِ الكريم بالقول: إنّ الناسخَ والمنسوخَ كان لحكمةٍ إلهيّةٍ عظيمةٍ، بغيةَ تدرّجٍ مرحليٍّ في الأحكام، حتى لا يستثقلَ الناسُ أحكامَ كتابِ اللهِ تعالى.. وبذلك يقدّمونَ بعضَ أحكامِ كتابِ الله تعالى على أنّها خاضعةٌ للزمانِ والمكانِ، فالمرحليّةُ التي يتحدّثون عنها تقتضي ذلك.. ويذهب بعضُهم إلى القول: إنّ النسخَ ليس لآيات كتابِ الله تعالى، وإنما للأحكام التي تحملُها هذه الآيات.. وبذلك يضعون حاجزًا بين صياغة النصِّ القرآنيِّ (القول)، وبين ما يحملُهُ من دلالاتٍ وأحكامٍ (الكلام)..

.. نقول.. إنّ التعرّضَ إلى قدسيّةِ القرآنِ الكريمِ، واصطناعَ التبريراتِ التي ينقُضُها القرآنُ الكريمُ لإثباتِ تصوّراتٍ تاريخيّةٍ على حساب منهجِ اللهِ تعالى (القرآن الكريم)، هو في النهايةِ كُفرٌ ببعضِ أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى، وإيمانٌ ببعضِها الآخر، وهو ذاتُهُ ما وصفهُ اللهُ تعالى بجعلِ القرآنِ عضين..

إنّ المرحليّةَ التي يتحدّثون عنها ليست في ماهيّةِ النصِّ القرآنيِّ، وإلاّ لما كان القرآنُ الكريمُ صالحًا لكلِّ زمانٍ ومكان.. فالمرحليّةُ في استقبالِ الجيلِ الأوّلِ لأحكامِ كتابِ اللهِ تعالى، وليست في هذه الأحكام، فكلُّ حُكْمٍ في كتابِ اللهِ تعالى يتكاملُ مع الأحكامِ الأُخرى ولا يختلفُ معها، ولا يُناقِضُها كما يُزعَمُ في مسألةِ الناسخِ والمنسوخ..

وقولُهُم: إنّ النسخَ يطالُ الأحكامَ، ولا يطالُ الآياتِ الكريمةَ، هو المهزلةُ بعينِها، فالله تعالى عندما بيّن لنا أنّه لا يُوجَدُ اختلافٌ في كتابه الكريم
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء: 82)..
وعندما أمرنا باتّباعِ كلِّ ما أُنزِلَ إلينا فيه دون أيِّ استثناءٍ
(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3)..
إنّما كان يعني الأحكامَ التي يحمِلُها كتابُهُ (القرآنُ الكريم)، لأنّ الكلماتِ أوعيةُ المعاني والدلالاتِ والأحكام..

.. فالناسخُ والمنسوخُ هو –في النهاية– كفرٌ وجحودٌ ببعضِ آياتِ كتابِ اللهِ تعالى، بعدَ أنْ فُسِّرتْ تفسيرًا خاطئًا، وإيمانٌ ببعضِها الآخر، وهذا هو ذاتُهُ ما وصفَهُ الله تعالى بجعلِ القرآنِ عِضينَ… هذا التكامل في المعنى والدلالات بين نسخِ بعضِ أحكامِ كتابِ الله تعالى من جهةٍ (الإيمان ببعضِ أحكامهِ والجحود ببعضِها الآخر) وبين جعلِ القرآن عضينَ، تُصدّقه معجزةُ إحدى الكُبَر..
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: من الآية 85) = 239
(الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (الحجر: 91) = 141
239 + 141 = 380 = 19 × 20

.. ومعجزةُ إحدى الكُبَر لا تُصدِّقُ هذه المسألةَ فحسب، وإنّما تُصدِّقُ أيضًا هذه المسألةَ وجزاءَ الداعين إليها أيضًا..
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَاب) (البقرة: من الآية 85) = 709
(الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) (الحجر: 91) = 141
(فَوَرَبِّكَ لَنَسْلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر: 92) = 126
(عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الحجر: 93) = 69
709 + 141 + 126 + 69 = 1045 = 19 × 55

إنّ علينا أنْ نعي تمامًا حقيقةَ الفكرِ الذي ندعو إليه، وأن نُعايرَهُ –بشكلٍ مستمرٍّ– على كتابِ اللهِ تعالى، وأنْ نُدركَ الخطَّ الفاصلَ بينَ المنهجِ من جهةٍ وبينَ التاريخِ من جهةٍ أُخرى، حتى لا نقعَ في ساحةِ الذين تعنيهم دلالاتُ النصِّ القرآنيِّ التالي..
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً) (الكهف: 103 – 105)..
فالزعمُ بنسخِ بعضِ آياتِ كتابِ اللهِ تعالى، هو دعوةٌ إلى عَدَمِ اتّباعِ هذه الأحكام، وبالتالي هو جحودٌ بها، وهذا ممّا تعنيه دلالاتُ العبارةِ القرآنيّةِ
(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ)
.. إنّ علينا أنْ نعلمَ أنّنا ندعو حقيقةً إلى منهجِ الله تعالى، لا إلى تاريخٍ نقدّمه بديلاً عن منهجِ اللهِ تعالى..

المهندس عدنان الرفاعي
كاتب ومفكِّر إسلامي
سورية – درعا – تلشهاب
هاتف منزل: 252300 15 00963
هاتف جوّال: 252300 955 00963

http://www.thekr.net
Email: adnan@ thekr.net

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s