الرد علي الملحدين

الرد على الملحدين

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور ، وهدانا إلى طريقه بالكتب والآيات ، فدلّت على عظمته كثرة البيّنات ، وشهدت على حكمته أنواع المخلوقات ، ونطقت على قدرته الأرض والسماوات ، فجعل خلقه من الماء والطين ، ورزقنا من أثمار البساتين ، فحمداً له على ما خلق وشكراً له على ما رزق .

أما بعد فقد استعنتُ بالله على الجواب ، لمن سأل وأكثر الخطاب ، فهداني ربّي طريق الصواب ، فألّفتُ هذا الكتاب ، وأوضحت فيه لأولي الألباب .

[مذاهب الملحدين]

وبعد إعلم أنّ الملحدين لهم مذاهب وأقوال يختلف بعضها عن البعض ، وسنذكر هنا بعضها بالإجمال :

[ المذهب الروحاني لجمس فندلاي]

قال بعضهم في تكوين الإنسان ومنهم (الدكتور جمس فندلاي) قال في كتابه (على حافّة العالم الأثيري) : “إنّ النفوس أزلية ، أي أنّها كانت موجودة من قديم الزمان ، وإذا جامع الرجل زوجته وسقطت النطفة في رحمها حينئذٍ تأتي إحدى النفوس وتتمركز في تلك النطفة وتمتصّ من النطفة حولها ، ففي مدّة ثلاثة أشهر يكون طفلاً كامل الخلقة في بيت الأرحام ، ثمّ ينمو ويكبر ، فإذا مضت عليه تسعة

أشهر ولدته أمّه فأصبح إنساناً كامل الخلقة ، وهكذا تتناسل الأحياء وتتكاثر ، ثمّ إذا مات الإنسان رجعت نفسه وكوّنت إنساناً آخر ، وهكذا تنتقل النفوس من جسمٍ إلى جسمٍ آخر ، لأنّ النفس خلق روحاني كامل الأعضاء والحواس ، فإذا دخل بيت الأرحام أخذ يمتصّ من النطفة حوله فاليد الأثيرية تبني عليها يداً مادّية والرجل الأثيرية تبني عليها من النطفة أيضاً فتكون رجلاً جسمانية وهكذا باقي الأعضاء والجوارح .

[عقيدة البهائية]

وتعتقد البهائية أيضاً بتناسخ الأرواح ، ويزعمون أنّ الأرض باقية لا تتمزّق والأفلاك جارية وليس من قيامة عامّة في المستقبل ولكن كلّ إنسان إذا مات فقد قامت قيامته .

[ الردّ على نظرية جمس فندلاي ]

أقول إنّ هذه النظرية خطأ وتكوين الإنسان بهذه الطريقة محال ، ولنا أدلّة على ذلك نذكرها فيما يلي :

الدليل الأول : إذا كان دخول النفس في النطفة وامتصاصها النطفة حول نفسها فينبغي أن يخرج الطفل من بطن أمّه وأسنانه كاملة في فمه ، فلماذا نرى الطفل بلا أسنان حين ولادته ، ولا تظهر أسنانه إلاّ بعد ولادته بتسعة أشهر . ثمّ إنّ البنت لا يكون لها ثديان ظاهران إلاّ وقت البلوغ ؟

الدليل الثاني : إنّ المرأة الحامل لا تشعر بحركة جنينها في بطنها إلاّ في الشهر الرابع ، فلو كان دخول النفس في مبدأ الأمر للزم أن تشعر المرأة بحركة جنينها في الشهر الأول .

الدليل الثالث : ولو كانت النفس موجودة قبل تكوين الجسم وعليها يتكوّن جسم الأنسان كما يزعمون إذاً لأصبح الولد لا يشبه أباه والأخ لا يشبه أخاه ، ولكن لَمّا كان دخول الروح في الجسم بعد تكوينه أخذت الروح تملأ خلايا الجسم وأصبح الإنسان يشبه أباه أو أمّه .

الدليل الرابع : لو كان التناسل شيئاً طبيعياً والنفوس ترجع إلى الدنيا بعد موت أجسامها ودخولها بيت الأرحام في مبدأ الأمر لتكوين شخص آخر كما يزعمون إذاً لدخلت روح حيوان في رحم إنسان أو لدخلت نفس إنسان في رحم حيوان ، مثلاً لرأينا المرأة تلد كلباً أو حماراً أو غير ذلك من الحيوانات ، أو لرأينا الدابّة تلد إنساناً أو غزالاً أو غير ذلك ، وهكذا لصار اختلاف في الحامل والمحمول ، لأنهم يزعمون أنّ النفس هي التي تجمع المواد العضوية والزلالية حولها فيتكوّن المخلوق .

الدليل الخامس : تتمكّن النفس أن تبقى ثابتة في الرحم دون أن أن تتحرّك أو تغيّر موضعها مدّة ثلاثة أشهر ليكمل نموّ الجسم في تلك المدّة ، فلو أنّها تحرّكت بأدنى حركة لا يكمل نموّ الجسم ، مثلاً إذا كان العضو ممّا يلي النفس جامداً وممّا يلي الرحم سائلاً فإذا تحرّكت النفس بأدنى حركة انفصلت المواد السائلة عن الجامدة وتقطّعت فحينئذٍ يتعطّل نمو الجسم ولا يكمل نموّه إذا كان للنفس أدنى حركة في هذه المدّة ، ثمّ ما الذي أحوج النفس أن تسجن نفسها في هذا المكان الضيّق المظلم ولا تتحرّك لمدّة ثلاثة أشهر ؟

الدليل السادس : لو كانت النفوس ترجع إلى الدنيا وتكوّن شخصاً آخر إذاً لتذكّرنا ما كنّا عليه قبلاً وما كان اسمنا ومن كان أبوانا وأين كانت دارنا ، ثمّ لم نحتجْ إلى تعليمنا القراءة والكتابة مرّة ثانية بل لوُلِدنا ونحن عالمين بالقراءة والكتابة أو الصنعة التي تعلّمناها قبلاً أي حينما كنّا في جسم غير جسمنا هذا . وكيف تصغر النفس فتكون على مقدار جسم الجنين إذا كانت تلك النفس نفس رجل طويل ؟ وكيف تنغمس النفس في النطفة وتبني حولها من تلك المواد على أنّ النطفة لا تملأ فنجاناً مهما كثرت وذلك لا يكفي لغمس إصبع من أصابعنا ؟

[ نظرية المادّيّين الذين لا يؤمنون بوجود النفس ]

وقال آخرون : إنّ الإنسان يتكوّن من مادّة حيّة وهي (البروتوبلازم) ويقصدون بها النطفة ، ثمّ إنّ هذه المادّة تكوّن حجيرات والحجيرات كرويّة الشكل وقد تعتريها تحوّلات ، وهذه الحجيرات دقيقة بحيث لا تُرى إلاّ بالمجهر ، ثمّ إنّ الحجيرات هذه تجتمع بعضها مع البعض فتؤلّف أعضاء الجسم فيتكوّن حينئذٍ إنسان ، فالإنسان إذاً هو من مجموعة حجيرات حيّة . ونَفَوا بذلك وجود النفس .

[ الردّ على هذه النظرية الماديّة]

أقول سلّمنا بأنّ جسم الإنسان مكوّن من مادّة حيّة ولكن مَن كوّن هذه المادّة ومن كوّن هذه الحجيرات ومن أيّ شيء اكتسبت الحياة ، ومَن علّم الحجيرات هذه أن تكوّن أعضاء الجسم بشكل هندسي على الشكل المطلوب ، وهل أنّ الحجيرات هذه ألّفت أعضاء الجسم باختيارها أم لها آمِر يأمرها فتطيعه بذلك ؟ أكانت الحجيرات تفهم علم الهندسة من حين إنشائها أم درَست في المدارس الراقية فتعلّمت ؟ وما ذلك إلاّ ظنّاً منهم وإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً .

[ مَثَل هل تكون الدار المبنيّة من غير بانٍ ؟ ]

ولنضرب بذلك مثلاً فنشبّه مادّة البروتوبلازم بالطين ، والحجيرات بالأحجار الفخّارية (آجرّ) والإنسان بدار حديثة ، وأعضاءه بغرفها وسراديبها وسطوحها وبئرها فنقول : هل يمكن للطين أن يكوّن أحجاراً فخارية بنفسه دون عامل يعمله ، وهل يمكن للأحجار أن تؤلَف داراً على الطراز الحديث بنفسها دون صانع يصنعها أو بنّاء يبنيها على أنّ فيها غرفاً صحّية وسراديب هندسية ونوافذ للتهوية وأبواباً نجارية ، وفيها بئر ومطبخ ومرحاض وبالوعات وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الإنسان .

أقول إذا وجدنا داراً جديدة على الصفات المطلوبة فهل يمكن أن نقول أنّ الدار هذه تكوّنت لنفسها دون صانع يصنعها وذلك على اختلاف الموادّ التي تكوّنت منها الدار من الأحجار والأخشاب والحديد والزجاج والأصباغ وغير ذلك ؟

واقول كيف يبصر الإنسان ويسمع ويتكلّم ويتحرّك ما لم تكن فيه روح ؟

وكيف يعقل الإنسان ويفهم ويحفظ ويتذكّر ما مضى بغير روح ؟

وكيف يموت الإنسان إذا كان من حجيرات حيّة ولم تكن فيه نفس ؟

وما الذي يطرأ على الحجيرات فتذهب حياتها على أنّ الإنسان حين موته لا يتغيّر جسمه ولا نرى فيه أيّ نقص يكون سبباً لموته ؟

[ بكتريا تنمو بشكل قرص ]

وهنا خطرت ببالي قضيّة حدثت سنة 1943 م أذكرها بمقام شاهد فأقول :

جلب رجل في الحلّة شيئاً من البحرين عن طريق البصرة كأنّه قطعة جلد مستديرة نصف شفّافة يسمّونها (دودة بحر) ولكن ليس لها رأس ولا يد ولا أرجل ولا أيّ عضو آخر ولا تتحرّك بأيّة حركة ، فيضعون فوقها من السكر ويتركونه إلى اليوم الثاني فيجدون ذلك السائل صار حامضاً فيشربونه ظناً منهم أنه يشفي بعض الأمراض ، فأخذ بعض الناس في الحلّة يولّدون منها أقراصاً عديدة ويشربون ماءها ، فلمّا رأيت ذلك عرفت أنّها ليست دودة كبيرة بل هي نوع من البكتريا تجتمع مع بعضها فتؤلّف قرصاً مستديراً على شكل الإناء ، وإنّ القرصة هذه تلد في كلّ 24 ساعة مرّة واحدة فتكوّن قرصة أخرى تحتها ، وما هي ولادة حقيقية من تلك القرصة بل هي بكتريا تتناسل فتجتمع مع بعضها فتكوّن قرصاً ثانياً تحتها ، ولو أنّنا قطعنا شيئاً منها فوضعناه في إناء آخر وصببنا عليه من الشاي والسكّر وتركناه إلى اليوم الثاني لوجدناه صار قرصاً آخر ، وهكذا يمكننا أن نجمع من ذلك القرص أقراصاً عديدة ، وكلّ منها محتفظ بحياته ، ولو أنّنا وضعناها في إناء مستطيل لصارت مستطيلة لأنّ البكتريا هذه تجتمع فوق الماء بعضها إلى البعض فتكوّن طبقة مستديرة أو مستطيلة على شكل الإناء .

وأمّا خواصّ هذه البكتريا فإنّها تؤكسد المواد السكرية فتحوّلها غلى موادّ حامضية ، أي أنّها تأكل السكّر فتفرزه حامضاً ، فهي من هذه الوجهة شبيهة بدودة الخل ، فيصلح هذا السائل الحامضي إلى بعض الأمراض .

وليس قصدي هنا أن أشرح عن هذه البكتريا بل أذكرها كشاهد على قولي ، فأقول :

إذا كان الإنسان من حجيرات حية وليس فيه روح كما يزعمون فينبغي أن يكون كهذه البكتريا فإذا قطعنا شيئاً من جلده أو عضواً من أعضائه وتركناه في إناء ووضعنا فوقه مادّة مغذّية فينبغي أن لا يموت ولا يتلف ذلك العضو المقطوع بل يبقى حياً ما دامت فيه المواد المغذّية ، وينبغي أن تكوّن تلك اللحمة المقطوعة شخصاً آخر حياً كما تكوّن تلك البكتريا ، وكما هي الحالة في أكثر الأشجار أيضاً ، ثمّ إنّ البكتريا هذه تأخذ شكل الإناء فتكوّن قرصاً مستديراً أو مستطيلاً ، وأمّا الحجيرات التي يتحدّثون عنها فأيّ إناء فيه فتكوّن اليدين ، أم أيّ قالب تملأه فتكوّن الرجلين ، وهل لها آلات هندسية في تكوين العينين ، أم لها قدرة على تكوين الأذنين ، فهل كان من الحجيرات عظام أم لحم ، أم عروق ودم ؟ أم شعر دقيق ، أم جلد رقيق ، أم أسنان ذات بريق ، أم ظفر سميك ، وما ذلك القول إلاّ قول جاهل ولا يقبله كلّ عاقل مفكّر ، وما قصدهم بذلك إلاّ إنكار وجود الخالق ليبيحوا المحرّمات ويكثروا من الشهوات ، تَباً لهم ولآرائهم {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}

[ القول بأنّ أصل الإنسان من القرود ]

وقال آخرون : إنّ الإنسان كان قرداً في قديم الزمان ثمّ صار يأخذ بالترقّي والتمدّن حتّى صار إنساناُ ، فالإنسان إذاً أصله من القرود .

أقول إنّ بين الإنسان والقرد فرق كثير :

أولاً : إنّ جلد القرد ملآن بالشعر كالقطّ ، والإنسان ليس في جلده شعر إلاّ قليلاً .

ثانياً : إنّ رأس القرد متساوي في الشعر كجسمه ، أمّا الإنسان فشعر رأسه طويل .

ثالثاً : إنّ القرد ليس له لحية ولا شارب ، أمّا الإنسان فهو عكس ذلك .

رابعاً : إنّ القرد له ذنَب طويل ، والإنسان ليس له ذنَب .

خامساً : إنّ القرد لا ينطق ، والإنسان ينطق بكلّ لهجة .

سادساً : إنّ القرد يمشي على أربع ، والإنسان يمشي على رجلَين مستقيم القامة .

وهكذا [توجد] فروق كثيرة بين القرد والإنسان ، ثمّ لو أنّ القرود تتمدّن وتكون من البشر إذاً لأصبحت القرود كلّها بشراً ولم يبقَ قرد على وجه الأرض ولم نرَ في هذا الزمن أثراً للقرود ، وكيف تتمدّن القرود وهي حيوانات ، وكيف يذهب شعر جسمها ، وكيف يطول شعر رأسها ، وهل تظهر لها لِحى وشوارب ، وكيف تتمكّن القرود من النطق والكلام ، وكيف يذهب ذنَبها ، فلو أنّنا قطنا ذنَب قرد ثم تناسل ذلك القرد فهل يكون نسله بلا ذنَب أم يكون له ذنَب كما كان أولاً ؟ وهل يتكلّم بهذا الكلام عاقل ، وما قصدهم بذلك إلاّ إنكار وجود الخالق {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}

[ نظرية التطوّر ]

وقال آخرون : إنّ الإنسان أصله دود نشأت في الطين والمياه الراكدة ، ثمّ أخذ يتطوّر فصار حيواناً بعد مرور الأجيال ، ثمّ أخذت تلك الحيوانات بالتطوّر حتّى أصبحت بشراً بعد مرور السنين والدهور ، فالإنسان أذاً كوّنته الطبيعة ، ونفَوا بذلك وجود الخالق .

أقول هل يتفوّه عاقل بهذه الكلمات ، ويتّخذها له معتقدات ، على أنّهم يدرسون علم النبات ، ويقرأون عن الحيوانات ، ويبحثون عن تكوين السيّارات [:الكواكب السيّارة] ، ويرَون كثرة الآيات ، فهم الذين قال الله تعالى فيهم [في سورة يونس]: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} . وقال تعالى أيضاً [في سورة سبأ] : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} لأنّهم قالوا [كما في سورة الجاثية ] {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} .

وأقول ما هي الطبيعة التي يتلفّظون بها هل هي شخص حكيم ، أم قادر عليم ، ألها أعين تنظر بها ، أم لها آذان تسمع بها ، أم لها أيدٍ تبطش بها ، وليت شعري هل تعلم الطبيعة أنّ الإنسان لا يتناسل إذا كان منفرداً فجعلت منه الزوجين ، وهل تعلم أنّ الطفل ليس له أسنان فهيّأت له الثديين , أم تعلم أنّ معدته لا تستطيع الهضم فكوّنت له اللبن ، وأشفَقَت عليه أمّه كي تتحمّل فيه الأذى والمحن ، ثمّ إذا احتاج غلى الأكل أظهرت له الأسنان ، وأمكنته أن ينطق باللسان ، أم علمت أنّه لا يستقيم بلا ناظرة فجعلت له عينين ، أم تفهم أنه يحتاج إلى سامعة فجعلت له آذاناً ، أم تعلم أنّه يحتاج إلى مواد مغذية فجعلت له فاكهة وحباً ، وأطعمته من الأثمار لباً ، أخلقت النخل الباسقات ، أم أجرَت الماء الفرات ، أم كوّنت الأشجار والنبات ، أم خلقت الشمس والقمر ، أم كوّنت الرمل والحجر ، أخلَقَت المعادن والأحجار ، أم كوّنت الهواء والنار . أكان من الدود فيل وعصافير ؟ وهل صار من الدود نبات ، أم نخل باسقات ، أم طيور ذات نغمات {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} .

من كلام الإمام علي عليه السلام

في كتاب نهج البلاغة رداً على الملحدين ، قال :

“ولو فكّروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكنّ القلوب عليلة والبصائر مدخولة ، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه ، وخلق له السمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر .

[ في وصف النملة ]

أنظروا إلى النملة في صغر جثّتها ولطافة هيأتها ، لا تكاد تُنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها وصبت على رزقها ، تنقل الحبّة إلى جحرها وتعدّها في مستقرّها ، تجمع في حرّها لبردها وفي وردها لصدرها ، مكفولة برزقها مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ولا يحرمها الديّان ، ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس ، ولو فكّرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجباً ولقيت من وصفها تعباً ، فتعالى الذي أقامها على قوائمها وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر ، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدلالة إلاّ أنّ فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حيّ ، وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء ، وكذلك السماء والهواء ، والرياح والماء ، فانظر إلى الشمس والقمر , والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف الليل والنهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرّق هذه اللغات والألسن المختلفات ، فالويل لمن جحد المدبّر وأنكر المقدّر .

زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ، ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادّعَوا ، ولا تحقيق لما وعَوا ، وهل يكون بناء من غير باني ، أو جناية من غير جاني ؟

[ في وصف الجرادة ]

وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السمع الخفيّ , وفتح لها الفم السويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابينِ بهما تقرض ومنجلينِ بهما تقبض ، يرهبها الزرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ولو جلبوا بجمعهم ، حتّى ترِدَ الحرث في نزواتِها ، وتقضي منه شهواتِها . وخلقها كلّه لا يساوي إصبعاً مستدقّة ، فتبارك الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ، ويعفّر له خدّاً ووجهاً ، ويلقي إليه بالطاعة سلماً وضعفاً ، ويعطي له القياد رهبةً وخوفاً ، فالطير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الريش منها والنفَس ، وأرسى قوائمها في الندى واليبَس ، وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها ، فهذا غراب ، وهذا عُقاب ، وهذا حمامٌ وهذا نَعام ، دعا كلّ طائرٍ بإسمه ، وكفَل له برزقه ، أنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها ، وعدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جذوبتها .”

في نقض مذهب داروين

نقلاً عن كتاب (الجواهر) الجزء 11 للشيخ طنطاوي جوهري ، قال :

“إعلم أنّ هذا المذهب لمّا انتشر في بلادنا المصرية فشا الإلحاد وعمّت الرشوة وذاع الزيغ وتفاخرَ كثير من العظماء وأرباب السطوة والنفوذ بخلع العذار وانتهاك الحرمات وتبارى كثير منهم في شرب الخمر ولعب القمار ونبذوا الدين ظِهرياً ، وذلك عقب ظهور مؤلَّف الدكتور (شبل شمّيل) الذي هو ترجمة كتاب (بخنر) الألماني وكان المترجمِ والمترجَم عنه يميلان إلى الإلحاد وإنكار الخالق فكان ذلك داعياً لفشوّ ذلك وتقليدهما تقليداً بلا جدال .

“كلّ ذلك في أوائل هذا القرن العشرين . وبينما نحن كذلك في مصر وفي بعض بلاد الشرق كان علماء أوربا عد نقضوا هذا المذهب فخرّ السقف على الفاسقين من فوقهم وانهارت دعائمه وأصبح هشيماً تذروه الرياح كأن لم يغنَ بالأمس . ولأذكر لك أصوله ثمّ بيان أقوال علماء أوربا في نقضه .

في أصول [أساسيّات] هذا المذهب

بنى (داروين) هذا المذهب على أربعة أصول :

الأصل الأول : إنّ الحياة ذات أطوار وتغيّرات بها ترتقي من حال إلى حال آخر .

الثاني : إنّ هذه التطوّرات تنتقل بالوراثة إلى النسل .

الثالث : إنّ الأحياء جميعها بينها تنازع في البقاء .

الرابع : إنّ ما كان أتمّ وجوداً وأقوى وأكمل فهو الأصلح للبقاء ، وأمّا الأضعف فهو محكوم عليه بالفناء . فالحيوانات والنباتات كلّها سلسلة واحدة أعلاها مشتقّ من أدناها بالارتقاء . ومن ذلك أنّ الإنسان مشتقّ من القرد وهو أعلى الحيوانات والنباتات بمقتضى هذه القواعد .

“ولمّا كان الأكمل هو الباقي ظهر الشره والطمع في عالم السياسة وأُنشِئت في أوربا المهلكات الحربية بناءً على هذه النظرية وسيادة القوّة الأسدية ونقضت العهود وخرِّبَت الذمم بين الأفراد في بلادنا . وما عجبت لشيء عجبي منّا معاشر الشرقيّين كيف نقدّس مذهباً نقضه أهل أوربا !؟ وسيعتريك العجب حين أتلو عليك من آراء حكمائهم وبراهين علمائهم ما يذيب هذا المذهب ويجعله هباءً منثوراً . إنّي آسف أشدّ الأسف أنّ الغفلة مستحكمة في أنحاء الشرق عند المتعلّمين منهم . آمنوا بالمذهب الدارويني كما شربوا الخمر اتّباعاً لأهل أوربا ولم يعلموا بأنباء العلماء هناك إذ أبطلوا ذلك المذهب بطلاناً تامّاً كما بيّنوا أنّ الخمر سمّ ناقع حتّى حرّمته دولة أمريكا وأنكرته بلاد السويد والنرويج . فالخمر لا يزالون يشربونه والإلحاد في الدين باقٍ كأنّ المذهب لم ينقضه أولو الألباب .”

نُبَذ ممّا قاله العلماء في نقض هذا المذهب

(1) قال (جوستاف لوبون) : “إنّ المادة ليست أبدية بل هي خاضعة للقانون الحتم الذي يقضي على جميع الكائنات بالفناء وهي مركّبة من مجموعات شمسية [نواة الذرة والإلكترونات التي تدور حولها] مؤلّفة من عناصر يدور بعضها حول البعض بسرعة عظيمة جداً وهي لا تُرى ثابتة في حسّنا إلاّ بسبب تلك السرعة المفرطة .” انتهى .

وأنت تعلم أنّ مذهب داروين مبني على المادة وهي أساسه .

(2) [ القوانين الطبيعية تقريبية ]

قال الأستاذ (هنري بوانكاريه) العضو بالمجمع العلمي الفرنسي : ” إذا نظرنا في قانون خاص أياً كان فإننا نستطيع أن نؤكّد أنّه لا يمكن أن يكون إلاّ تقريبياً لأنه مستنتَج من تحقيقات تقريبية . وهذه التحقيقات لم يمكن ولايمكن أن تكون إلاّ تقريبية .”

وقال الدكتور (ج . جيليه) : “إنّ القوانين يمكن أنْ تتغيّر بعارضٍ من العوارض وأن يبطل عملها أيضاً .”

أقول ولا جرم أنّ هذا من أكبر أسس مذهب داروين المبني على القوانين الطبيعية .

(3) قال الأستاذ (جوستاف جوليه) : “إنّ العوامل التي ذكرها داروين تعجز عن تعليل ذلك الثبات التام للصفات الأصلية للأنواع التي تتكوّن حديثاً وتعجز أيضاً عن تعليل نشوء الإلهامات [الغرائز] الجديدة فيها . وقد أُثبت أنّ أنواعاً جديدة لا تزال تُخلَق جديداً كما ستراه .”

ثمّ قال الأستاذ (جوليه) : “إنّ مذهب لامارك ومذهب داروين يستويان في القصور فإنّهما لا يفسّران التحوّل عن الحياة المائية إلى الحياة الأرضية ولا التحوّل عن الحياة الأرضية إلى الحياة الهوائية فكيف استطاع الحيوان الزاحف وهو سَلَف العصفور أن يناسب البيئة التي ليست له ولا يمكن أن تكون له بعد أن تكوّن له بعد أن يتحوّل من صورة حيوان زاحف إلى عصفور وكيف يستطيع أن تكون له حياة هوائية قبل أن تكون له أجنحة نافعة ؟”

[ الحشرات ]

“وإنّ مسألة الحشرة أشدّ استحالة . وهل هناك أيّ علاقة من جهة علم الحياة بين الدودة وبين الحشرة الكاملة التي تنقلب إليها ؟ إنّها حشرة تعوّدت الحياة الدودية تحت الأرض أو في المياه فكيف تصل شيئاً فشيئاً إلى إيجاد أجنحة لجسمها تصلح لحياة هوائية بعيدة عنها بل مجهولة لها ؟” انتهى باختصار .

(4) قال العلاّمة (دوفري) : “إنّ التحوّلات الفجائية هي القاعدة في عالمي الحيوان والنبات وقد أعلن هذه الحقيقة (جوفر) و(أسان هيلير) و(كوب) وثبت أنّ الظهور الفجائي للأنواع الكبيرة الرئيسة كالزواحف والطيور وذوات الثدي كان في الأراضي الجيولوجية ومتى ظهرت حصلت على صفاتها كاملة .”

(5) قال الدكتور (جوستاف جوليه) : “إنّ الحشرة ظهرت من أقدم عهود الحياة الأرضية وثبتت أنواعها في جميع الأحوال فهي تناقض ما ذهبوا إليه من التحوّلات المستمرّة البطيئة وتناقض التطوّر بفعل العوامل الخارجية فإنّها تنقلب داخل الشرنقة من الحال الدودية إلى حشرة طائرة ولا تأثير عليها من الخارج كما أنّ الهوّة عميقة بين الحالة الأولى وهي الدودية والحالة الثانية وهي حالة الحشرة وهي هوّة تضيع فيها كرامة جميع النظريات الداروينية واللاماركية ، فالحشرة أدّت شهادة حسّية ببطلان مذهب داروين كما أثبتت عجزه عن تفسير غرائزها الأولية العجيبة المحيّرة للعقل .

(6) رأي (فون باير) في مذهب داروين وهو العلاّمة الألماني الكبير ومؤسّس علم الإمبريولوجي (علم الأجنّة) ومن أقطاب الفيزيولوجيين والحفريّين ، قال : “إنّ الرأي القائل بأنّ النوع الإنساني متولّد من القردة السينمانية هو بلا شكّ أدخل رأي في الجنون قاله رجل على تاريخ الإنسان .”

(7) قال العلاّمة (فيركو) الألماني من علماء الأنثروبولوجي أي (التاريخ الطبيعي للإنسان) وكذلك العلاّمة الإنثروبولوجي الفرنسي (دوكانرفرفاج) ، يقولان : “إنّ القراءة في التاريخ الطبيعي للإنسان من القرد منعدمة . إنّ الإنسان في العهد الحجري الرابع وُجِد مشابهاً لنا كلّ المشابهة مع أنّه كان يجب أن يكون أقرب إلى أسلافه القردة ، بل إنّ نقص الخلقة في رجال العصر الحاضر أوفر منها في تلك العصور .”

ثمّ قالا : “إنّنا لا نستطيع أن نعتبر ولادة الإنسان من القرد أو من حيوان آخر من الأمور العلمية .”

(8) رأي العلاّمة (إنلي دوسيون) ، ذكر في كتابه (الله والعلم) في الطبعة الصادرة سنة 1912م ما يأتي :
“إنّ الغرضَين اللذينِ يقوم عليهما مذهب داروين هما الانتخاب الطبيعي وانتقال الصفات المكتسبة وقد أثبت (هربرت سبنسر) هدم الفرض الأوّل من أساسه ، ونقض (ويسمان) إمكانية انتقال الصفات [المكتسبة] بطريق الوراثة ، وبرهن على أنّ هذه المشاهدات المزعومة لا تقوم إلاّ على حكايات مخترعة ولا تعلو قيمتها العلمية عن قيمة حكايات المرضعات [والعجائز.]

(9) قال الأستاذ (جورج بوهن) مدير معمل البيولوجي والسيكولوجي ما يأتي :
” إنّ نتائج كثير من المباحث يعطونها نظرية الانتخاب الطبيعي .”

(10) كتب العلاّمة (أدمون برييه) سنة 1912م ، قال : “إنّ ثقة الأستاذ (جينو) بتأثير البيئة (الوسط الخارجي) ضعيفة جداً ، وعلى ما يقول فإنّ هذه البيئات لا تصلح لإيجاد أي تغيير وراثي ثابت فالبطّ وسائر الطيور المائية تُرى متمتّعة بأرجل ذات أصابع متّصلة بغشاء فيُظَنّ أنّ هذه الأغشية قد أوجدها نوع معيشتها ، ولكنّ الأمر على العكس من ذلك في مذهب المسيو (جينو) فإنّه يقول بأنّها وُجِدت لها مقدّماً بدون تأثير من الخارج وأخذ البطّ يعوم لأنّه وجد لنفسه أرجلاً مغشّاة تصلح للعوم . فهذه الحيوانات قد أُعِدّت من قبل للعوم أي أنّها أنّها خُلِقَت لِتعوم قبل أن تستفيد تركيب أرجلها في العوم .”

(11) قال العلاّمة (بلوجر) الألماني : “لم أجد واحدة من هذه المشاهدات تُثبِت انتقال الصفات [المكتسبة] بالوراثة .”

(12) قال الفيزيولوجي الكبير (دوبوا ريموند) : “إذا أردنا أن نكون مخلصين وجب علينا أن نعترف بأنّ وراثة الصفات المكتسبة قد اختُلِقَت لمجرّد تعليل الحوادث المراد تعليلها ، وإنّها هي نفسها من المفتَرضات الغامضة .”

(13) رأي (دائرة المعارف الكبرى الفرنسية) في مذهب داروين : “إنّ النظرية الداروينية لسوء الحظ مختلّة من أساسها لأنّها تفرض أنّ جميع الصفات النافعة [المكتسبة] حدثت بالمصادفة وبالتالي جميع الحيوانات حدثت على ما هي عليه اتّفاقاً (مصادفة) وهو فرض يلاشي المسألة نفسها .”

[ الحكمة والغاية في الخلق ]:

(14) قال الدكتور (أدوارد هاريتمان) : “إنّ وجود هذا الرأي عند الداروينيين (رأي عدم وجود الغاية) هو من المسلّمات التي لا يقوم عليها دليل ، ومن الأوهام التي لا أساس لها . وعلّل ذلك بأنّ الطبيعة ذات نظام ميكانيكي ولا يمكن النظام بلا غاية كما لا يمكن الغاية بلا نظام . وكلّ ما لا نظام له فهو مهمَل في فوضى كالثيران الهائمة والطبيعة التي يعلّلون بها ليست كذلك .”

(15)قال العلاّمة (لويز بوردو) ما نصّه : “يجب أن نعترف بأنّ هناك غاية مقصودة وروحاً مدبّرة لأنّه بدون ذلك تفقد وحدة المجموع رابطتها فالغاية تظهر في تلازم الحوادث وتثبت به .”

(16) رأي الأستاذ (فون باير) الألماني في القصد [الغاية] ، قال : “إذا كانوا يعلنون الآن بصوت جهوري بأنّه لا قصد في الطبيعة وأنّ الكون لا يعوزه إلاّ ضروريات عمياء فأنا أعتقد أنّ من واجبي أن أعلن عقيدتي في ذلك وهي أنّي على العكس أرى جميع هذه الضروريات تؤدّي إلى أغراض سامية .”

(17) قال (كاميل فلامريون) : إنّ درس الوجود يجعلنا ندرك أنّ له نظاماً مقرّراً وغاية دفع بها إليها وأنّ المقصود بهما ساكن هذا الكوكب وحده وأنّهما يتعاليان عن أن نلِمّ بهما في حقارتنا . إنّ التبصّر الذي يظهر في النباتات والحشرات والطيور ..إلخ وهي غافلة عنه ممّا يُقصَد به حفظ ذرّيتها وامتحان المشاهدات في التاريخ الطبيعي يُستَنتَج منها أنّ في الطبيعة عقلاُ مدبّراً .

(18) قال العلاّمة الفرنسي (لوجيل) ما نصّه : “إنّه لا يحقّ لأي فلسفة عالية إلاّ أن تعتبر كلّ القوى صادرة من قوّة أبدية أولية واجبة الوجود وهي مصدر كلّ حركة ومركز كلّ عمل .”

(19) في دائرة معارف القرن العشرين الفرنسية ما نصّه : “إنّ لكلٍّ من الكائنات المتنوعة للطبيعة الحية غاية وضع لأجلها ومركزاً يدور عليه .”

(20) قال الأستاذ (ميلن أدوارد) في جامعة السوربون بفرنسا : “إنّ الحيوان المسمّى (أكسيلوكوب) من المحيّرات للفكر . إنّ هذا الحيوان يُرى طائراً في الربيع منفرداً ويعيش ويموت بعد أن يبيض مباشرةً فلم تَرَ صغارها أمّهاتها ولا تعيش حتّى ترى أولادها اللاتي يخرجن دوداً يعيش سنة في مسكن مقفل وهدوء تام ، فترى الأم متى حان وقت بيضها تعمد إلى قطعة من الخشب فتحفر فيها سرداباً طويلاً فإذا أتمّته على ما ينبغي أخذت في جلب ذخيرة تكفي صغارها سنة وهي طلع الأزهار وبعض الأوراق الكريمة فتحشوها في قاع السرداب ثمّ تضع بيضة وتأتي بنشارة الخشب فتكوّن منها عجينة تجعلها سقفاً على تلك البيضة ثمّ تأتي بذخيرة جديدة تضعها فوق ذلك السقف ثمّ تضع بيضة أخرى وهكذا فتبني بيتها مكوّناً من عدّة طبقات ثمّ تترك الجميع وتموت .”

ثمّ قال : “يُدهَش الإنسان حين يرى حيال هذه المشاهدات المتكرّرة رجال يدّعون لك أنّ هذه العجائب نتائج للمصادفة وأنّ إلهامات [غرائز] النمل مثلٌ أسمى من مدركات الإنسان نتيجة عمل الطبيعة من تجمّد الماء واحتراق الفحم وسقوط الأجسام .”

“إنّ هذه الفروض الباطلة بل هذه الأضاليل العقلية التي يسترونها باسم العلم الحسّي قد دحضها العلم الصحيح دحضاً تاماً فإنّ العالِم الطبيعي لا يستطيع أن يعتقدها أبداً .”

“وإذا أطلّ الإنسان على وكرٍ من أوكار بعض الحشرات الضعيفة يسمع بغاية الجلاء والوضوح صوت العناية الإلاهية ترشد مخلوقاتها إلى أصول أعمالها اليومية .” انتهى كلام العلاّمة (إدوارد) ملخّصاً .

وهذا أعجب العجائب كيف كان مذهب (داروين) في الغرب قد أصبح من خرافات العجائز وأساطير الأوّلين كما عبّر عنه علماؤهم بذلك وهو في بلادنا المصرية وفي البلاد الشرقية معتمد عليه موثوق به فهو الحجّة القائمة عندهم على دحض جميع الإلاهيّات والنبوّات . ترى الرجل يتيه عُجباً أنّه أعلم العلماء وأعظم المفكّرين فإذا تحقّقته علمت أنّه يدّعي العلم بمذهب داروين على أنّ أكثر هؤلاء لا يعلمون مع بطلانه . إنّ العلم الناقص ضلال مبين فإمّا علمٌ تام وإلاّ فلا {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} انتهى .

[ الصدفة ]

وقال (مومنيه) الفيلسوف الفرنسي : “إذا افترضنا بطريقة تعلو متناول العقل أنّ الكون خُلِق صدفةً بلا فاعل مختار وأنّ الصدف المتكرّرة توصّلت إلى تكوين رجل . فهل يعقل أنّ الصدف والاتّفاقات تكوّن كائناً آخر مماثلاً له في الشكل الظاهري ومبايناً له في التركيب الداخلي وهو المرأة , وهي تقصد بذلك إعمار الأرض بالناس وإدامة النسل فيها ، أليس يدلّ هذا وحده على أنّ في الوجود خالقاً مريداً مختاراً أبدع الكائنات ونوّع بينها وغرز في كلّ نوع غرائز ومتّعه بمواهب يقوّم بها أمره ويرتقي عليها نوعه ؟ قال الله تعالى في سورة الروم {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ..إلخ}

[ استدلال الأعرابي ]

وسئل اعرابي كيف عرفت ربّك ؟ فقال : “البعرة تدلّ عبى البعير ، وآثار الأقدام تدلّ على المسير ، أفأرضٌ ذات فجاج وسماء ذات أبراج ألا تدلّ على خالقها العزيز القدير ؟”

رأي العين

لقد مرّت عليّ حادثة في زمن طفولتي أذكرها هنا للدلالة والتبصّر على تكوين آدم من الطين ، أذكر لك ما شاهدته بعيني ولا أبالي كذّب السامع لذلك أم صدّق ، فأقول :

كنّا ساكنين في كربلاء وكان عمري حينذاك ثمانية سنين على التقريب وكان لوالدي سِيف (خان توضع فيه الحبوب كالحنطة والشعير وغير ذلك) فصادف يوماً من الأيام أنّ والدتي نقلت الأثاث من الغرفة إلى الخارج وكنستها فوجدنا تحت صندوق كان في الغرفة خمسة من أفراخ الجرذان فكان الواحد منها بقدر حجم الخنفساء وأكبر قليلاً فعجبت منها وسألت أمّي عنها قائلاً : “هل تبيض الجرذان ويفقس بيضها عن الفراخ كالدجاجة ، أم تلِد ولادة ؟” فقالت : “إنّها تلد أفراخاً صغاراً ثمّ تكبر بالتدريج .”

هذا مارأيته في دارنا . ثمّ ذهبت في اليوم الثاني إلى أبي في مخزن الحبوب (الخان) وكان لي إبن عمّ اسمه عبّاس وهو أكبر منّي بسنة وستّة أشهر فذهب معي أيضاً فصرنا نلعب هناك فدخلنا في مخزن من المخازن التي في ذلك الخان وكان فارغاً من الحبوب ، فبينما نحن نلعب وإذا بفأرة بيضاء كالقطن خرجت من ثقب في الأرض وراحت تركض في ذلك المخزن فأعجبني لونها ورحت أركض خلفها لكي أمسكها ، ولمّا لم تجد الفأرة مهرباً منّي عادت إلى بيتها ، فأخبرت ابن عمّي وبحثت عن حديدة لكي أنبش بها جحر الفارة لعلّني أجدها فأقبض عليها ، فنبشت ونبشت وازحت التراب حتَى وصلت إلى قعره ولم يكن عمقه أكثر من فوت (قدم) فرأيت وما أدراك ما رأيت ، وليتك ترى ما رأيت لكي تصدّقني ولا تكذّب ،

رأيت بضعة فئران ملتصقات في الأرض كأنّ حجراً كبيراً وقع عليها فألصقها بالأرض ،

رأيت بعضها حيّة تحرّك رأسها وتنظر بعينها ولكن مؤخر جسمها ملتصق بالأرض ،

ورأيت أخرى تحرّك رأسها ويديها ولكن مؤخّرها ملتصق في الأرض ،

ورأيت أخرى لا تحرّك سوى عينها وكلّ جسمها ملتصق في الأرض ،

ورأيت أخرى لا حراك بها فنصفها داخل في الأرض والنصف الآخر ظاهر للعيان فكأنّها نائمة في الطين ولكن لم يكن ذلك طيناً بل كان تراباً رطباً ،

ورأيت بعضها مخطّطة في الأرض فهذا رأسها وهذه بطنها وتلك أطرافها فكأنّما يد رسّام حاذق رسمها على الأرض ، أو نحّات ماهر نحَتها ،

وكأنّ تلك البقعة أرضاً نبتت فيها الفطريات كالكمأة وغيرها فأخذت تنمو وتكبر تحت الأرض ثمّ شقّت الأرض وظهرت للعيان ،

وكانت تلك الفئران كلّها على حجم واحد لا فيها صغير ولا كبير بل كانت على قدر الفارة البيضاء التي خرجت من ذلك الجحر ،

وكلّها رأسها متّجه نحو باب الجحر ومؤخّرها عكس ذلك ,

ولمّا رأيت ذلك عجبت وقلت لابن عمّي : “لماذا التصقت هذه الفئران بالأرض ، هل لأنً شيئاً ثقيلاً سقط عليها فألصقها بالأرض أم لسبب آخر ؟”

فنظر إليها ملياً وقال : “ليس كما تظنّ بل إنّ هذه الفئران في دور تكوينها وإنشائها تتكوّن من التراب .”

فقلت له : “ألم ترَ الفئران الصغار الخمسة التي وجدناها في غرفتنا ، ألم تقل أمّي أنّ الفئران تولد صغاراً ثم تكبر ، فكيف تقول أنت أنّ هذه الفئران في دور تكوينها ؟”

فقال : “ألم تَرَ بعضها حية تتحرّك وبعضها لا حياة فيها فهي كالنائمة ؟”

فقلت له : “ربّما ماتت هذه من ثقل التراب الذي سقط عليها .”

فقال : “لا ولكن انظر ما سأفعل .” فأخذ عوداُ صغيراً من الأرض وخطّ به بطن إحدى الفئران الحية فماتت حالاً ثمّ خطّ مؤخّر الفارة الأخرى الحية فماتت ، وقال : “أرأيت؟”

فقلت له : “إذا شققت بطنها فكيف لا تموت ؟”

فقال : “هل هذه سكين أم ليطة ؟”

فقلت له : “إنّ الليطة تذبح أحياناً كالسكين .”

فأخذ مؤخّر بعض تلك الفئران وفركه بين أصابعه فكان كالتراب وقال : “أنظر .”

فأخذت أنا أيضاً ليطة من الأرض وشخطت بها بطن فارة حية من تلك الفئران الملتصقة بالأرض فماتت حالاً ولم تعد تتحرّك ولم يخرج منها دم ولا شيء آخر بل كانت كالطين ، ثمّ قلعت رجل فارة من تلك الفئران وفركتها بين أصابعي وإذا به تراب رطب خُطِّط على هيئة فئران ،

فحينئذٍ أيقنت أنّ ذلك البيت الصغير كانت معملاً لإنتاج الفئران وتكوينها ولكن على غير الذي رأيته في غرفة دارنا الذي أنتج خمس فئران صغار ، فكان يخيّل لمن ينظر لتلك الصور والرسوم كأنّ نحّاتاً ماهراً نحتها وصانعاً قادراً صنعها ولكن في الطين لا في الجحر ، فسبحان من نحتها في تراب رطب بدلاً عن الحجر الصلب ، وسبحان خالقها مرّةً في الأرض من الطين ومرّةً في الأرحام من ماءٍ مهين .

فإنّ الله تعالى أراني بعض عجائبه وكشف لي عن بعض مغيّباته لأكون من الموقنين والحمدُ للهِ ربّ العالمين *

[* حدّثني مزارع قام بنفسه مع عمّال الزراعة بمكافحة الفئران في أرضه الزراعية في سامرّاء من أنّه عثر في جحر إحداها على صغار كالتي ذكرها المؤلِّف . � المراجع إبراهيم الكوّاز]

[ خلق آدم وحواء ]

أقول لا شكّ أنّ الله تعالى خلق آدم وحوّاء على هذه الطريقة أي خلقهما في جوف الأرض من ترابٍ رطب فنبتا كما ينبت الفِطر (الكمأة) ، ولمّا تمّ خلقهما خرجا من ذلك القبر إلى سطح الأرض ، فقد قال الله تعالى في سورة نوح {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} ، وقال تعالى في سورة البلد {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} أي في كبد الأرض ، فالكبد هو الجوف ، فكبد الأرض جوفها ، وكبد السماء وسطها ، وفي ذلك قال عنترة :

فأتيتُها والشّمسُ في كبِدِ السّما والقومُ بينَ مقدّمٍ ومؤخّرِ

والمعنى في جوف الجبل ، لأنّ آدم وحوّاء خلقهما الله تعالى فوق جبل ثمّ هبطا منه إلى الأرض المستوية ،

فإنّ الله تعالى ذكر مرّةً بأنّ آدم خلقه من طين ومرّةً ذكر أنّه خلقه من تراب ، فالتراب الرطب يصحّ أن نطلق عليه لفظة طين ويصحّ أن نطلق عليه لفظة تراب . وقد ذكرنا في كتابنا الكون والقرآن قسطاً عن منشأ الحياة وذلك بعنوان الحياة انتقالية فيمكنك مطالعته . والله يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مُستَقيم .

أبيات من كتاب (تغاريد الحياة)

كنتَ في الأصلابِ ماءً أفرزتهُ الأدواتْ

فإذا حرّكه الشوقُ بنيل الشهَواتْ

سالَ نحوَ الرحمِ يَجري بِأخاديدِ القناة

مَنْ أقامَ الصُّلبَ والرحمَ لِهذا أنتَ قُلْ لي

� � �

فتصوّرتَ بِبطنِ الرحمِ في حالٍ أتَمْ

كاملاً في خلقِه مِنْ رأسِهِ حتّى القَدَمْ

كلّ عضوٍ منهُ يجري بِأعاجيبِ الحِكَمْ

مَنْ أقامَ الخلقَ في الجسمِ لِهذا أنتَ قُلْ لي

� � �

ولدَتْهُ الأمَ والأعضاءُ في حالٍ ضعيف

عاجزاً مِن كلّ أكلٍ غيرِ مأكولٍ خفيف

يتغذّاهُ مِنَ الثديَينِ معسولاً لطيف

مَنْ أقامَ الرزقَ في الثديِ لِهذا أنتَ قُلْ لي

� � �

عندما احتاجَ إلى أكلٍ قويٍّ صلبِ

خرجتْ أسنانُهُ في الثغرِ مِثلَ الحَبَبِ

تَطحَنُ الأخضرَ واليابِسَ عندَ السَغَبِ

مِنْ أقامَ الضِّرسَ والأكلَ لِهذا أنتَ قُلْ لي

� � �

حينما قدْ صارَتْ القوّةُ فيهِ كامِلَة

ورأى كلّ مُهِمّاتِ الحياةِ حاصِلة

أنكرَ النعمةَ والفضلَ الذي قد صارَ لَه

مِنْ أقامَ الكونَ مشغولاً لِهذا أنتَ قُلْ لي

� � �

وقال أيضاً :

كيفَ سرّ الكونِ منها في إناثٍ وذكور

بازدواجٍ بينها يُدهِشُ أربابَ الشعور

أترى الأنثى بدتْ بالسبقِ أم كانَ الذكور

كيفَ والواحدُ لا ينهضُ في سرّ الوجود

� � �

أترى الطيرَ مِنَ البيضِ تبَدّى للحياة

أم ترى البذرَ لَهُ السبقُ على كلّ النبات

بلْ نرى الكلَّ لهُ في الكونِ أسرارُ الحياة

ونرى هذا بِهذا صارَ يبدو لِلوجود

� � �

وقال أبو العتاهية :

فيا عَجَباً كيفَ يُعصَى الإلهُ — أمْ كيفَ يَجحدُهُ الجاحدُ

وَللهِ في كلِّ تحريكةٍ — —-وفي كلِّ تسكينةٍ شاهِدُ

وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ — ——تدلُّ علَى أنّهُ واحِدُ

� � �

وقال أبو نؤاس يصف الروض :

تأمّلْ في رياضِ الأرضِ وَانظرْ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيك

عيونٌ مِنْ لُجَينٍ شاخِصاتٌ وأزهارٌ هيَ الذهبُ السبيك

علَى قَضَبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ بِأنَّ اللهَ ليسَ لهُ شَريك

� � �

. وقال معروف الرصافي يصف شجرة :

أنظرْ لِتلكَ الشجرَة .. ذاتِ الغصونِ النضِرَة

كيفَ نَمَتْ مِنْ حبّةٍ .. وكيفَ صارتْ شجرَة

فَابحثْ وقُلْ مَنْ ذا الّذِي يُخرِجُ مِنها الثمرَة

ذاكَ هوَ اللهُ الذي أنعُمُهُ مُنهَمِرَة

ذو حكمةٍ بالغةٍ وقدرةٍ مقتدِرَة

� � �

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s